في سياق اهتماماتي بسير الأعلام الكبار الذين أسهموا في بناء الفقه الإسلامي بروحٍ مقاصدية عميقة، تبرز شخصية الإمام عبد الرحمن الأوزاعي باعتبارها نموذجًا فريدًا يجمع بين العلم والعدل والوعي بالواقع. وقد زرتُ لبنان أكثر من مرة، وكانت لي فرصة زيارة قبر هذا الإمام الجليل، حيث استحضرتُ في ذلك المقام معاني العطاء العلمي والرباط الحضاري الذي مثّله في حياته. كما تعرّفتُ خلال تلك الزيارات على بعض مشايخ الشام ولبنان على الخصوص الذين لا يزالون متأثرين بفقه الإمام الأوزاعي ومنهجه، يستلهمون من روحه المقاصدية في فهم النصوص وتنزيلها على واقع الناس. ومن هنا تولّد لدي دافع علمي ووجداني للكتابة عن هذا الإمام الكبير، الذي يجهله – للأسف – كثير من طلبة العلم في عالمنا الإسلامي، رغم ما قدّمه من إسهامات جليلة في ترسيخ فقه العدل والتعايش، وبناء نموذج فقهي متوازن يجمع بين النصوص الشرعية ومقاصدها .
يُعدّ الإمام الأوزاعي أحد الأعلام الكبار الذين تجسدت في سيرتهم معاني الفقه الحيّ الذي يتجاوز حدود النص إلى استحضار مقاصده وروحه، دون أن ينفصل عنها أو يتجرأ على ثوابتها. وقد عاش الإمام في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة الإسلامية، حيث شهد انتقال الحكم من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية، وعاصر تحولات سياسية وفكرية عميقة، مما جعل فقهه يتسم بوعيٍ مركّب يجمع بين النص والواقع، وبين الثابت والمتغير، في إطار رؤية مقاصدية أصيلة.
وُلد الأوزاعي في بعلبك بلبنان سنة 88 هـ تقريبًا، ونشأ يتيمًا فقيرًا، وتنقل في صغره بين دمشق والبقاع وبيروت، حيث استقر لاحقًا، لتصبح هذه المدينة ثغرًا علميًا ورباطًا جهاديًا له. ولم تكن نشأته المتواضعة عائقًا أمام نبوغه، بل كانت دافعًا لصقل شخصيته العلمية والروحية، حيث تشرب معاني الصبر والاستقلالية، وارتبط بالعلم ارتباطًا وثيقًا من خلال الرحلة في طلبه، متنقلاً بين الحجاز والبصرة واليمامة وبيت المقدس.
في هذا السياق، تبرز شخصية الأوزاعي كفقيه مقاصدي قبل أن تتبلور مصطلحات علم المقاصد بشكلها الاصطلاحي المعروف. فقد كان ينظر إلى الشريعة باعتبارها منظومة تحقق العدل وتحفظ مصالح الناس، وليس مجرد أحكام جزئية منفصلة عن واقعها. وهذا ما يتجلى بوضوح في مواقفه العملية، خاصة في تعامله مع قضايا العيش المشترك، حيث لُقّب بإمام التعايش لما أبداه من عدل وإنصاف تجاه غير المسلمين.
ومن أبرز هذه المواقف موقفه الشهير في مواجهة الخليفة أبو جعفر المنصور ووالي الشام، عندما قررا إجلاء النصارى من جبل لبنان بسبب تمرد فئة منهم. فقد رفض الأوزاعي هذا القرار الجائر، مستندًا إلى قاعدة قرآنية شرعية راسخة مفادها أن "لا تزر وازرة وزر أخرى"، وأن معاقبة الجماعة بذنب البعض ظلم يناقض مقاصد الشريعة في العدل والإنصاف. وقد نجح في إقناع السلطة بالتراجع، فكان بذلك نموذجًا للعالم الذي يقف في وجه الاستبداد باسم الدين، لا باسم السياسة.
هذا الموقف ليس مجرد حادثة تاريخية، بل هو تجلٍّ عميق لفقه المقاصد، حيث قدّم الأوزاعي مصلحة حفظ النفس والعدل الاجتماعي على منطق العقوبة الجماعية، وأكد أن الشريعة جاءت لحماية الإنسان، بغض النظر عن دينه، ما دام داخل في عقد الذمة أو العهد. وهذا الفهم يتناغم مع روح الإسلام في بناء مجتمع متماسك يقوم على العدل والرحمة.
عاش الأوزاعي في عصر زخر بالعلماء الكبار، مثل مالك بن أنس وأبو حنيفة النعمان وسفيان الثوري، ومع ذلك تميز بشخصيته المستقلة واجتهاده الخاص، حتى أصبح له مذهب فقهي انتشر في الشام والمغرب والأندلس. وقد عُرف عنه أنه أفتى في سن مبكرة، مما يدل على نبوغه وسعة اطلاعه، لكنه لم يكن متسرعًا في الفتوى، بل كان شديد الورع، يدرك خطورة الكلمة في الدين.
ومن ملامح فقهه المقاصدي أيضًا رفضه تولي القضاء، رغم عرضه عليه في العهدين الأموي والعباسي. فقد أدرك أن القضاء ليس مجرد منصب، بل أمانة عظيمة تتطلب شروطًا دقيقة، وربما لا تتوفر في بيئة سياسية مضطربة. وهذا الرفض يعكس وعيه بمقاصد الشريعة في تحقيق العدل، وخشيته من أن يكون منحازا لجهات ما، وهو ما يبرز استقلالية العالم الرباني .
كما كان الأوزاعي مدافعًا عن السنة النبوية، في زمن كثرت فيه البدع والانحرافات الفكرية. لكنه لم يكن دفاعه تقليديًا جامدًا، بل كان واعيًا بضرورة فهم النص في سياقه، وعدم إسقاطه بشكل حرفي على واقع مختلف. وهذا ما يجعل فقهه قريبًا من المنهج المقاصدي الذي يوازن بين النص والمصلحة، وبين الثابت والمتغير.
وقد استقر الأوزاعي في بيروت، ليس فقط كمكان للإقامة، بل كموقع للرباط والدفاع عن ديار المسلمين، حيث كانت المدينة ثغرًا بحريًا مهددًا. وهناك ازدهر عطاؤه العلمي، وبلغ مذهبه أوجه، وانتشر في الآفاق. لكن هذا المذهب لم يُكتب له الاستمرار، بسبب قلة التدوين وضعف تلامذته في حفظ تراثه، فحلّت مكانه مذاهب أخرى كالمذهب الشافعي والحنفي في الشام، والمالكي في المغرب والأندلس.
ومع ذلك، فإن اندثار المذهب لا يعني زوال أثره، إذ بقيت آراؤه مبثوثة في كتب الفقه، واستمرت روحه المقاصدية حاضرة في تراث الأمة. بل إن شخصيته تُعدّ نموذجًا للعالم الذي يجمع بين الفقه والواقع، وبين العلم والعمل، وبين النص والمقصد.
ومن اللافت في سيرة الأوزاعي أن جنازته كانت حدثًا استثنائيًا، حيث شارك فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، حتى قيل إن غير المسلمين كانوا أكثر عددًا. وهذا يدل على مكانته في قلوب الناس، وعلى أثر عدله وإنصافه في المجتمع. فالعالم الحقيقي لا يُقاس فقط بعلمه، بل بمدى تأثيره في الناس، وقدرته على تحقيق السلم الاجتماعي.
توفي الأوزاعي سنة 157 هـ في بيروت، ودُفن في منطقة أصبحت تُعرف باسمه لاحقًا، حيث أُقيم مقام ومسجد يحملان اسمه، تخليدًا لذكراه. كما أُنشئت مؤسسات علمية باسمه، تقديرًا لإسهاماته في الفكر الإسلامي.
إن قراءة سيرة الإمام الأوزاعي من منظور مقاصدي تكشف عن نموذج فريد في الفقه الإسلامي، نموذج يتجاوز الجمود إلى الفاعلية، ويجمع بين الأصالة والتجديد. فقد كان فقيهًا يدرك أن الشريعة ليست نصوصًا جامدة، بل هي روح تسعى لتحقيق العدل والرحمة، وأن الفقيه ليس ناقلًا للأحكام فقط، بل هو شاهد على العصر، ومسؤول عن تنزيل النص في واقع الناس.
وفي زمننا المعاصر، حيث تتجدد التحديات وتتعقد القضايا، تبدو الحاجة ملحة لاستلهام هذا النموذج، الذي يوازن بين النص والمقصد، وبين الثبات والتغير، ويجعل من الفقه أداة لبناء الإنسان والمجتمع، لا وسيلة للانقسام والتنازع. فالأوزاعي لم يكن مجرد فقيه في التاريخ، بل هو مدرسة في الفهم، ومنهج في التعامل مع الواقع، ودعوة مفتوحة لإحياء فقه المقاصد في خدمة الإنسان.
وبهذا المعنى، فإن استحضار تجربة الإمام الأوزاعي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية، لإعادة بناء العلاقة بين الدين والحياة، على أساس من العدل والرحمة، كما أرادها الإسلام في جوهره.
الصادق العثماني، أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
