أيام قليلة تفصلنا عن الامتحانات الإشهادية، فهل سيجتاز المتعلمون اختبارا لمكتسباتهم وإدراكاتهم المعرفية، أم أن دائرة التحديات أوسع وأعقد من مجرد خطوة من خطوات التحصيل الدراسي وتقويماته، ما نراه ونلاحظه هو أخطر من ذلك بكثير حيث يواجه المتعلمون في عصرنا الحالي تحديات وضغوطات نفسية متزايدة، مصدرها كل من الأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمع، ناهيك عن عتبات القبول التنافسية في المؤسسات العليا، هذا الوضع المقلق يستدعي من كل أطياف المجتمع التوقف للحظة والنظر بعمق حتى ندرك حقيقة هذه التحديات وتقديم الدعم المناسب، الحالي والعاجل، والذي أصبح ضرورة ملحة لتفادي تفاقم حالات الاكتئاب والقلق والضغوط النفسية التي قد تؤثر سلبا على الحياة النفسية والعقلية للمتعلمين، والتي هي أثمن بكثير من أي نتائج مدرسية.
الأسرة هي النواة الأولى التي يتشكل فيها وعي المتعلم، وفيها يحس بالأمن والطمأنينة وهي مصدر التحفيز والتشجيع، ولكن في الكثير من الحالات وأمام ارتفاع سقف انتظاراتها تتحول إلى العبء النفسي الثقيل الذي يربك كيان المتعلم وتدفع به نحو الفوضى واللااستقرار،هي رغبة بريئة وصادقة لرؤية الأبناء متفوقين أكاديميا، لكنها تمارس ضغطا غير مقصود يدفع المتعلم نحو الكمالية المفرطة والخوف من الفشل ، هذا الضغط قد يؤدي إلى شعور دائم بعدم الكفاءة، حتى عند تحقيق النجاح، ويزيد من مستويات القلق والاكتئاب .
التحولات الجدرية ومتطلبات البيئة التعليمية المنهجية الصارمة، واستعمالات الزمن المزدحمة ، إضافة إلى الأنظمة التقليدية المرتبطة بالتقييم ، كلها تزيد من حدة الضغط النفسي ، حيث الشغل الشاغل إذكاء المنافسة الشديدة ، بين الطلاب تارة وبين المؤسسات التعليمية ، العمومية منها والخاصة تارة أخرى ، حيث لا لغة تعلو فوق لغة الأرقام وجاذبية المعدلات المبهرة، حيث الدرجات كمعيار وحيد للنجاح، وهو مايفرغ المؤسسات التعليمية من جو الآمان والراحة إلى فضاء الركض والسهر، لأن معايير للنجاح غالبا ما تكون مرتبطة بالتحصيل الأكاديمي العالي والالتحاق بتخصصات معينة، مما يضيف طبقة أخرى من الضغط على المتعلمين ليشعروا بضرورة تلبية هذه التوقعات الاجتماعية .
أثناء التحضير للامتحانات الاشهادية تبرز على الساحة إعلانات بداية التسجيل في مؤسسات عليا وامتحانات لنيل شهادة اللغات وانطلاق التسجيل الرقمي والحضوري في استحقاقات قبل نيل الباكالوريا واخرى بعدها، كل هدا الزخم أمام شبح عتبات القبول في الجامعات والمعاهد العليا، حيث يرى العديد من المتعلمين أن مستقبلهم مرهون بتحقيق درجات معينة تؤهلهم للالتحاق بالتخصصات المرغوبة، هذا الواقع يخلق سباقا محموما قد يؤدي إلى إرهاق نفسي وجسدي، ويزيد من احتمالية الإصابة بالقلق والتوتر المرتبط بالامتحانات والنتائج .
من منظور علم النفس الإكلينيكي، فإن التعرض المستمر لهذه الضغوط يمكن أن يؤدي إلى مجموعة من الاضطرابات النفسية والسلوكية لدى المتعلمين:
•القلق والاكتئاب: من أكثر المشكلات شيوعا بين المتعلمين الذين يعانون من الضغوط الأكاديمية والاجتماعية، فالقلق المستمر بشأن الأداء الدراسي والمستقبل، والشعور بالإحباط عند عدم تحقيق التوقعات، يمكن أن يتطور إلى حالات سريرية تتطلب التدخل المتخصص .
•اضطرابات النوم والأكل: قد تؤثر الضغوط النفسية على أنماط النوم والأكل، مما يؤدي إلى الأرق أو الإفراط في النوم، وفقدان الشهية أو الأكل العاطفي، وكلها تؤثر سلبا على الصحة الجسدية والعقلية .
•تدهور الأداء الأكاديمي: الضغوط المفرطة تؤدي حتما إلى تدهور الأداء الأكاديمي بدلا من تحسينه، حيث يؤثر القلق والتوتر على القدرة على التركيز والاستيعاب والتذكر .
•الانعزال الاجتماعي والسلوكيات السلبية المتعلمون الذين يعانون من الضغوط تتشكل عندهم الرغبة في الانعزال عن الأصدقاء والأنشطة الاجتماعية، وقد يلجأ البعض إلى سلوكيات سلبية كآلية للتكيف، مثل تعاطي المواد المنبهة والمحفزة والضارة أو الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي .
انتباه من فضلكم
ما الغاية من كل سنوات التربية والتعليم إن لم ننجح في مساعدة أبنائنا في بلوغهم بر الأمان وفي صحة نفسية وعقلية سليمة؟ ، المتعلم الناجح حقا هو القادر على التكيف والابتكار والمساهمة الإيجابية في المجتمع، إن التركيز المفرط على النتائج الأكاديمية على حساب الصحة النفسية هو نهج قصير النظر وله عواقب وخيمة على المدى الطويل.
لذا، ندعو إلى تخفيف العبء عن المتعلمين ومواكبتهم نفسيا لتفادي حالات الاكتئاب والضغوط النفسية وحالات القلق المصاحب ،ولتحقيق بيئة داعمة للمتعلمين، يتطلب الأمر تضافر جهود الجميع:
1. للتلاميذ:
إدارة الوقت وتحديد الأولويات: تعلم كيفية تنظيم الوقت وتحديد المهام الأكثر أهمية لتقليل الشعور بالإرهاق .
تقنيات الاسترخاء واليقظة الذهنية: ممارسة تمارين التنفس العميق، التأمل، للمساعدة في تهدئة العقل وتقليل التوتر .
طلب المساعدة: عدم التردد في التحدث مع الأهل، المعلمين، أو الأخصائيين النفسيين عند الشعور بالضيق أو العجز .
الحفاظ على التوازن: تخصيص وقت للأنشطة الترفيهية، الهوايات، والرياضة للحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية .
2. للأسر:
تعديل التوقعات: يجب على الأهل مراجعة توقعاتهم الأكاديمية، والتأكيد على أن الجهد المبذول أهم من النتيجة النهائية، دعم الأبناء عاطفيا وتقدير جهودهم، بغض النظر عن الدرجات .
التواصل الفعال: فتح قنوات حوار مفتوحة مع الأبناء، والاستماع إليهم دون إصدار أحكام، وتقديم الدعم العاطفي .
التركيز على الصحة النفسية: إعطاء الأولوية للصحة النفسية للأبناء على حساب التحصيل الأكاديمي، والبحث عن علامات الضيق النفسي وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة .
3. للمؤسسات التعليمية والمجتمع:
تطوير المناهج وأنظمة التقييم: إعادة النظر في المناهج الدراسية لتكون أكثر مرونة وأقل تركيزا على الحفظ، وتطوير أنظمة تقييم شاملة تقيس الفهم والمهارات بدلا من الدرجات فقط .
توفير الدعم النفسي: إنشاء وحدات للدعم النفسي والإرشاد داخل المؤسسات التعليمية ، وتوفير أخصائيين نفسيين مؤهلين لتقديم الاستشارات والمواكبة الآمنة .
تعزيز الوعي: تنظيم حملات توعية حول أهمية الصحة النفسية للمتعلمين، ودور الأسرة والمجتمع في دعمهم، وكسر وصمة العار المرتبطة بطلب المساعدة النفسية .
الأوراش السيكولوجية: الدعوة إلى انخراط الجميع في الأوراش السيكولوجية، وهي برامج وفعاليات تهدف إلى تعزيز الوعي بالصحة النفسية، وتنمية مهارات التأقلم، وتقديم الدعم الجماعي، قبل فوات الأوان .
بناء جيل متعلم وواع ومستقر نفسيا هو استثمار في مستقبل الأمة، يتطلب ذلك تحولا في الفكر والممارسات، حيث نضع الحياة النفسية لأبنائنا في صدارة أولوياتنا، فصحتهم النفسية هي أساس نجاحهم الحقيقي.
عزيز جلال، باحث في علم النفسي الاكلينيكي المرضي

