vendredi 1 mai 2026
كتاب الرأي

عبد الرحيم بوعيدة: فاتح.. باي باي

عبد الرحيم بوعيدة: فاتح.. باي باي عبد الرحيم بوعيدة

كان لك معنىً يوماً ما، أيها الأول من مايو..
كنتَ تأتي محمّلاً بثقل التاريخ وعبَق النضال، حين كانت النقابات تملك روحَها ولا تبيعها، وحين كانت الشوارع تغلي بأقدام رجالٍ ونساء يعرفون لماذا خرجوا، ولمن صرخوا، وضد ما انتفضوا..
كان اليسارُ يساراً بلا مواربة، واليمينُ يميناً بلا خجل، والهوياتُ واضحةً كالشمس في كبد السماء..
كان للبرامج نكهةٌ مختلفة، وللأحزاب شخصيةٌ تُميَّز..
أما اليوم، فقد تشابهت البرامج حتى كادت تنطق بلسانٍ واحد، واختلطت الهويات حتى ما عدتَ تميّز يميناً من يسار، ولا تقدّمياً من محافظ..
بعض الأحزاب قضت نحبها وانتهت، وبعضها الآخر ينتظر نعيَه بصبر، وقلّةٌ منها لا تزال تتنفس، لكن على جمرٍ..
وزعماء النقابات؟ تحوّلوا إلى قادةٍ تربّعوا على كراسي وثيرة، فنسوا صوت المصنع ورائحة العرق..
وتراجع المعلم والأستاذ، هذا الوقود الذي كان يُشعل أتون الأحزاب والنقابات، حتى صار على هامش المشهد..

نحن اليوم في زمن الأعيان وأصحاب الشكارة، هؤلاء هم من يُؤثّثون الصورة داخل الحزب والنقابة والبرلمان على حدٍّ سواء..
المالُ يتكلم، والكفاءةُ تصمت..
والجامعاتُ؟ لم تعد تُزعج أحداً..
صارت هادئةً كالمقابر..
وأنت يا فاتح مايو، كنتَ رمزاً لتاريخٍ حافل، فأصبحتَ مجرد رقمٍ في روزنامة، كِدنا أن ننساك لولا أن العطلةَ نبّهتنا إليك..
ثم نخرج في صبيحتك، الجميعُ يخرج..
زعاماتٌ حزبية ونقابية، عمالٌ وعاملات، لنردّد المطالب ذاتها التي نحفظها عن ظهر قلب..
ونحن كسياسيين نردّدها معهم كأنّنا فريقٌ يُعيد تسجيل نفس الأغنية الحزينة منذ عقود..

لا أحدٌ يسأل: لماذا لم يتغيّر شيء؟..
ولا أحدٌ يملك إجابةً تستحق الوقوف عندها..
هل كنّا طوال هذه السنوات ننتظرك فقط لنحتفل في طقسٍ يُشبه العزاء لا يشبه الاحتفال؟..
احتفالٌ بلا طعمٍ ولا لون، والزمن واقفٌ كأنه اتّكأ على حائطٍ ونام..
أوَنحسن فقط تكرار الخطابات المُملّة؟..
تلك الخطابات التي تبدأ وتنتهي عند نفس النقطة، كأنها قطارٌ يدور في دائرة لا تُفضي إلى محطة..

والمفارقة التي لا يلتقطها الفاعل السياسي، ولو التقطها لتغيّر كثير، هي أن السياقات تبدّلت جذرياً..
جيلٌ جديد يعيش في عالمٍ لا حواجز فيه ولا أسرار ولا معلومة محجوبة..
العالم الافتراضي فتح نوافذ لم تكن موجودة..
لكن على أرض الواقع، يبقى الفاعل السياسي يخطب بلغة السبعينيات في وجه جيلٍ يفكّر بسرعة الضوء..
جيلٌ يطلب تواصلاً يليق بعقله وواقعه، لا بذاكرة غيره..

احتفلنا بك هذا العام في حضرة رئيس حكومةٍ وعد بمليون منصب شغل، فلم يتحقق منها حتى الربع..
وفي حضرة وزيرٍ للشغل يتحدث بفخرٍ عن حواراتٍ اجتماعية أجراها مع نقاباتٍ شبه ميتة..
كأنه يحاور أشباحاً ويُسمّي ذلك إصلاحاً..

لهذا كله، لم يكن بإمكاني إلا أن أقول لك..
فاتح.. باي باي
حين يغيب المعنى، تتساوى التواريخ كلها..
وتصبح الأيام مجرد أرقام تتعاقب..
ولا يُحزن على يومٍ مات قبل أن نودّعه..