vendredi 1 mai 2026
كتاب الرأي

خالد أخازي: من قبو الموساد إلى حطام غزة.. صرخة "الرجل الصامت" التي فضحت عورة الأبارتهايد...

خالد أخازي: من قبو الموساد إلى حطام غزة.. صرخة "الرجل الصامت" التي فضحت عورة الأبارتهايد... خالد أخازي

في لحظة تاريخية فارقة، لم تكن مجرد سبق صحفي بل كانت زلزالا في وجدان الكيان، خرج تامير باردو، الرجل الذي سكن لسنوات في منطقة الظل حيث تصنع المؤامرات وتدار الاغتيالات، ليعلن نهاية "الأسطورة الأخلاقية" التي لطالما تغنت بها إسرائيل. لم يكن باردو، رئيس الموساد الأسبق، يلقي محاضرة أكاديمية، بل كان يقف على أرض محروقة في الضفة الغربية، محاطا بركام البيوت ووجوه الفلسطينيين المتعبة، لينطق بكلمات هي الأثقل في مسيرته الطويلة: "أشعر بالخجل لكوني يهوديا". هذه الجملة، التي بثتها القناة 13 الإسرائيلية في تقريرها الميداني الأخير في أبريل 2026، لم تكن مجرد تعبير عن استياء سياسي، بل كانت بمثابة رصاصة رحمة أطلقت على "الضمير الزائف" لمنظومة أمنية باتت ترى في القتل والتهجير عملا روتينيا.
 

باردو، الذي قاد الجهاز الأكثر غموضا وقوة بين عامي 2011 و2016، لم يعد اليوم حارسا للأسرار، بل أصبح شاهدا على الانهيار. 
ففي جولته التي رافقه فيها جنرالات سابقون مثل متان فيلنائي وعمرام ميتسناع، لم ير باردو "أعداء" بل رأى ضحايا لآلة حقد يقودها مستوطنون برعاية رسمية. استدعى باردو إرث والدته الناجية من "الهولوكوست" ليقارن بين فظائع الماضي ووحشية الحاضر. إنها المفارقة المأساوية التي جعلت ابن الضحية يرى في أفعال "أبناء جلدته" نسخة مكررة من الجحيم الذي وعد العالم ألا يعود. فعندما يتحدث رئيس الموساد عن الخجل، فإنه يعلن أن الهوية التي بنيت على مظلومية تاريخية قد تلوثت بدماء الأبرياء، وأن "الجلاد" اليوم يرتدي قبعة الضحية السابقة ليمارس أبشع أنواع "البربرية".
 

هذا الخجل الذي يعتري باردو لا ينفصل أبدا عن المشهد الأكثر دموية في غزة. فبينما كان يعاين حرق المنازل في الضفة، كانت غزة تتحول إلى مختبر لإبادة جماعية لا تعرف الحدود. الصرخة التي أطلقها من زقاق فلسطيني محاصر، هي ذاتها التي تتردد أصداؤها تحت ركام البيوت في جباليا وخانيونس ورفح. كيف لا يشعر بالخجل من يرى آلة عسكرية، كان يوما جزءا من عصبها، وهي تحصد أرواح آلاف الأطفال وتحول أحلامهم إلى أشلاء متناثرة؟ إن "الأبرتهايد" الذي وصفه باردو بكل جرأة ليس مجرد نظام قانوني جائر في الضفة، بل هو عقلية إبادة شاملة ترى في الفلسطيني "فائضا بشريا" يجب سحقه. غزة اليوم هي المرآة الكبرى التي يرى فيها قادة الأمن الإسرائيليون قبح ممارساتهم، وهي المحرقة المعاصرة التي تجعل من "الأمن" حجة واهية لارتكاب أفظع المجازر.
 

لقد وضع باردو أصبعه على الجرح الوجودي، فحذر من أن "الإرهاب اليهودي" في الضفة، مدعوما بصمت الدولة أو تواطؤها، هو الخطر الحقيقي الذي يهدد بقاء إسرائيل، أكثر من أي تهديد خارجي. إنها نبوءة الرجل الذي يعرف بنية الدولة من الداخل، الدولة التي تفقد السيطرة على مليشياتها المتطرفة هي دولة في طريقها للتفكك. وحذر باردو من أن "7 أكتوبر" القادم لن يأتي من خلف الأسلاك الشائكة، بل سينفجر من قلب الضفة الغربية نتيجة الظلم المتراكم ونظام الفصل العنصري الذي بات واقعا لا يمكن إنكاره. غزة والضفة اليوم هما جبهة واحدة في معركة الكرامة ضد "البربرية"، وتصريحات باردو هي الاعتراف الصريح بأن إسرائيل خسرت معركتها الأخلاقية قبل أن تخسر معاركها الميدانية.
 

إن الخطاب الذي قدمه باردو يمثل تحولا جذريا في تفكير "نخبة الظل". عندما يتحدث عن "الخجل"، فإنه يدعو المجتمع الإسرائيلي للنظر في المرآة، ليرى كيف تحولت "دولة القانون" إلى مرتع لعصابات تحرق القرى تحت حماية الجيش. هذا الانهيار القيمي هو ما جعل باردو يستشعر اقتراب النهاية. إن القوة الغاشمة التي سحقت عظام الأطفال في غزة هي ذاتها التي تحاول اليوم خنق الحياة في الضفة، وهذا المسار لا يقود إلا إلى دمار شامل. صرخة باردو هي محاولة أخيرة لاسترداد بقايا إنسانية تلاشت تحت وطأة القصف المستمر وصور الأشلاء التي باتت تزين شاشات العالم، لتفضح زيف "الجيش الذي لا يقهر" وأخلاقياته المزعومة.
 

ولا يمكننا إغفال أن خجل باردو هو في حد ذاته إدانة لكل من صمت. إن الجرائم التي ارتكبت في غزة، من تجويع وتهجير وقتل ممنهج، هي الخلفية القاتمة التي تعطي لتصريحاته وزنها التاريخي. إن "الهولوكوست" الذي ذكره باردو يتجسد اليوم في صرخات الأمهات في غزة، وفي نظرات الأطفال الذين فقدوا أطرافهم وعائلاتهم. عندما يعترف رئيس الموساد أن ما يراه يذكره بتلك الحقبة السوداء، فإنه يضع العالم أمام مسؤوليته: هل سيسمح بمرور هذه المحرقة الجديدة تحت مسميات "الدفاع عن النفس"؟ إن الحق الفلسطيني لا يموت بالتقادم، وخجل القتلة هو أول اعتراف بالهزيمة أمام صمود الضحايا...ستظل كلمات تامير باردو وثيقة تاريخية تدين حقبة كاملة من التطرف والدم...
 

هي صرخة إنسان اكتشف متأخرا أن القوة بدون أخلاق هي مجرد انتحار بطيء. غزة ستبقى الجرح النازف في ضمير الإنسانية، وستبقى تصريحات باردو الشاهد الصارخ على أن الظلم مهما تجبر، سيأتي يوم يشعر فيه حتى "حراس الأسرار" بالخجل من انتماءاتهم أمام بشاعة ما اقترفت أيديهم. إنها دعوة للمراجعة، لكنها قبل ذلك، صلاة غائب على روح العدالة التي ذبحت في أزقة غزة وحقول الضفة الغربية.
خالد أخازي: كاتب وإعلامي