تُعد الجهوية المتقدمة أحد الاختيارات المؤسساتية الكبرى في المغرب المعاصر. فهي لا تقتصر على إعادة تنظيم إداري للتراب الوطني، بل تعكس طموحا أعمق يتمثل في تقريب القرار العمومي من المواطنات والمواطنين، وملاءمة السياسات العمومية مع خصوصيات المجالات الترابية، وجعل الجهة فاعلا استراتيجيا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.
وفي هذا السياق، يشكل مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، محطة مهمة في مسار نضج ورش الجهوية المتقدمة. فبعد سنوات من تنزيل القانون التنظيمي لسنة 2015، أبانت الممارسة عن عدد من الإكراهات، من أبرزها تداخل الاختصاصات، وتعدد المتدخلين، وبطء آليات التنفيذ، وصعوبات التنسيق، وضعف الأثر الترابي لبعض البرامج. وقد أكدت مذكرة تقديم المشروع الحاجة إلى الانتقال من جهوية قائمة على البناء المؤسساتي إلى جهوية قائمة على النجاعة والفعالية والنتائج.
إصلاح موجه بمنطق الوضوح والنجاعة
تتمثل أولى دلالات هذا المشروع في إعادة تنظيم الاختصاصات الجهوية. فقد منح القانون التنظيمي رقم 111.14 الجهات مجموعة واسعة من الاختصاصات الذاتية والمشتركة. غير أن الممارسة العملية أظهرت أن بعض هذه الاختصاصات كان عاما أو فضفاضا أو صعب القياس، كما أن بعضها كان يتداخل مع اختصاصات الدولة أو الجماعات أو العمالات والأقاليم أو المؤسسات العمومية المتخصصة.
وتعكس التعديلات المقترحة على المادة 82 هذه الإرادة في التوضيح. فالجهة لم تعد مدعوة فقط إلى «دعم المقاولات» أو «جذب الاستثمار» بصيغة عامة، بل أصبح تدخلها موجها نحو دعم الاستثمار المنتج وتحفيز المبادرة المقاولاتية وفق معايير وشروط وكيفيات ستحدد بنص تنظيمي.
ولا يكتسي هذا التغيير طابعا لغويا أو قانونيا فقط، بل يعبر عن تحول في فلسفة التدخل الجهوي. فالجهة مطالبة اليوم بالتركيز على الرافعات العملية لخلق الثروة وفرص الشغل وتعزيز التنافسية الترابية. وتوضح مذكرة تقديم المشروع أن «جذب الاستثمار» ليس اختصاصا قائما بذاته بقدر ما هو نتيجة لتكامل السياسات العمومية وتناسقها.
إدماج البعد الرقمي في مجال تدخل الجهة
من بين المستجدات البارزة التي جاء بها المشروع إدراج التنمية الرقمية كمجال صريح من مجالات تدخل الجهة. وينص المشروع على إعداد وتنفيذ المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية.
ويكتسي هذا المستجد أهمية خاصة، لأن تنافسية المجالات الترابية لم تعد مرتبطة فقط بالبنيات التحتية التقليدية، من طرق وعقار واستثمار كلاسيكي، بل أصبحت مرتبطة أيضا بالربط الرقمي، وتحول الخدمات العمومية، والولوج إلى المعطيات، والابتكار المحلي، وقدرة المجالات الترابية على الاندماج في الاقتصاد الرقمي.
ومن خلال إدماج الرقمنة ضمن الاختصاصات الجهوية، يقر المشروع بأن التحول الرقمي لا يمكن أن يُدبر فقط من المركز، بل ينبغي أن يتلاءم مع خصوصيات كل جهة، سواء تعلق الأمر بالمجالات الحضرية الكبرى، أو المناطق القروية، أو المناطق الجبلية، أو المجالات الحدودية، أو المناطق الصناعية، أو الجهات ذات المؤهلات السياحية.
إعادة ضبط العلاقة بين الاختصاصات الذاتية والمشتركة
يراجع المشروع كذلك المادة 91 المتعلقة بالاختصاصات المشتركة بين الدولة والجهات. فقد تمت إعادة تحديد عدد من المجالات أو نقلها إلى خانة الاختصاصات المشتركة، من بينها الإسهام في إحداث مناطق الأنشطة الاقتصادية، وإنعاش الأنشطة غير الفلاحية بالوسط القروي، وتأهيل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتطوير وتأهيل البنيات التحتية الرياضية، وتدبير المنتزهات الجهوية، والاقتصاد في الطاقة والماء، والطاقات المتجددة، والتراث الثقافي، والمواقع الأثرية، وتنظيم المهرجانات، وتهيئة الطرق والمسالك السياحية في الوسط القروي.
ويكتسي هذا التوجه أهمية بالغة بالنسبة للجهوية المتقدمة. فبعض المجالات لا يمكن للجهة أن تتحملها بمفردها، لأنها تتطلب تنسيقا مع الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، وأحيانا مع القطاع الخاص. لذلك يسعى المشروع إلى تجاوز القراءة الشكلية للاختصاصات نحو قراءة وظيفية، لا تكتفي بالسؤال: من يملك الاختصاص؟ بل تركز على كيفية اشتغال الفاعلين العموميين بشكل متكامل، وفق مسؤوليات أكثر وضوحا.
وهذا من شأنه أن يعزز الالتقائية بين السياسات العمومية، ويحد من الازدواجية، ويساعد على توزيع أفضل للأعباء المالية، ويمنع تعثر المشاريع المهيكلة بسبب الغموض المؤسساتي.
برنامج التنمية الجهوية: مدة أطول واستمرارية أكبر
من التعديلات المهمة التي جاء بها المشروع تعديل المادة 83. إذ تم تمديد أجل إعداد برنامج التنمية الجهوية من سنة واحدة إلى ثمانية عشر شهرا. كما نص المشروع على ضرورة مراعاة المشاريع المبرمجة في إطار برنامج التنمية الجهوية للمدة الانتدابية السابقة.
ويحمل هذا التعديل دلالة عملية مهمة. فإعداد برنامج جهوي جدي يتطلب تشخيصا ترابيا معمقا، وتشاورا مع الفاعلين المحليين، وتنسيقا مع المصالح اللاممركزة للدولة، وتقييما للموارد المتاحة، وترتيبا واقعيا للأولويات. وقد يكون أجل سنة واحدة غير كاف، خاصة في الجهات التي تعرف تعقيدا مجاليا أو تفاوتات ترابية كبيرة.
أما التنصيص على مراعاة مشاريع الولاية السابقة، فيستجيب لإشكالية أخرى مرتبطة باستمرارية العمل العمومي. فكثيرا ما يؤدي تغير المجالس أو الأولويات السياسية إلى توقف بعض المشاريع أو تأخرها أو إعادة برمجتها، مما يهدر الزمن التنموي والموارد المعبأة. ومن خلال تكريس مبدأ الاستمرارية، يعزز المشروع استقرار السياسات الترابية ويحمي الاستثمارات العمومية التي سبق إطلاقها.
تحويل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع: قلب الإصلاح
يتمثل التعديل الأكثر هيكلة في تحويل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركة جهوية لتنفيذ المشاريع في شكل شركة مساهمة ذات مجلس إدارة. ويوضح المشروع أن هذا التحويل لا يترتب عنه إحداث شخص اعتباري جديد، بل يتعلق بتغيير الشكل القانوني للكيان القائم.
ويعد هذا التحول أساسيا لفهم روح الإصلاح. فقد أحدثت الوكالات الجهوية في الأصل كآليات لدعم تنفيذ المشاريع الجهوية، غير أن التجربة أبانت أن آليات التدبير الإداري التقليدي قد تؤدي أحيانا إلى بطء في التنفيذ، أو تحد من القدرة على استقطاب الكفاءات المتخصصة، أو تقلص من المرونة العملية المطلوبة لإنجاز المشاريع.
لذلك، يروم الانتقال إلى شكل شركة مساهمة إدخال منطق أكثر مرونة واحترافية وتركيزا على الأداء. وستتولى الشركة الجهوية تقديم المساعدة التقنية لمجلس الجهة، وتنفيذ برامج التنمية والمشاريع التي يعهد إليها بها، فضلا عن إنجاز مشاريع لحساب الدولة أو الجماعات الترابية الأخرى أو أشخاص اعتبارية خاضعة للقانون العام، في إطار اتفاقيات تبرم لهذا الغرض.
ويمكن لهذه البنية الجديدة أن تعزز بشكل ملموس قدرة الجهات على تحويل برامجها إلى إنجازات واقعية. كما يمكن أن تجعل من الشركة الجهوية أداة للالتقائية الترابية، لا تخدم الجهة وحدها، بل تخدم أيضا الدولة وباقي الجماعات الترابية في إطار مشاريع مشتركة ومنسجمة.
توازن دقيق بين المرونة والرقابة
إن تحويل الوكالة إلى شركة جهوية لا يعني خوصصة أداة التنفيذ. فالمشروع يحافظ على طابعها العمومي، إذ تملك الجهة أغلبية رأسمالها، بينما تملك النسبة المتبقية أشخاص اعتبارية أخرى خاضعة للقانون العام.
وفي المقابل، ينص المشروع على عدة آليات للرقابة. فالمدير العام للشركة الجهوية يعين بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، وتعرض بعض مقررات مجلس الإدارة على مصادقة والي الجهة، كما تخضع العمليات المالية والمحاسبية للشركة الجهوية لافتحاص سنوي مشترك تقوم به المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية.
وسيكون هذا التوازن بين المرونة والرقابة حاسما في نجاح الإصلاح. فمن جهة، تحتاج الشركة الجهوية إلى هامش كاف من الحركة لتسريع إنجاز المشاريع. ومن جهة أخرى، فهي تدبر أموالا عمومية وتتدخل في مجالات استراتيجية، مما يبرر وضع ضمانات قوية للشفافية والافتحاص والمساءلة.
ويبقى التحدي الأساسي هو تفادي خطرين متقابلين: أن تتحول الشركة الجهوية إلى جهاز إداري جديد يعيد إنتاج بطء النموذج السابق، أو أن تصبح بنية ذات استقلالية مفرطة لا تخضع بما يكفي للرقابة الديمقراطية للمجلس الجهوي.
قراءة جديدة للدور المالي للجهة
يمس المشروع كذلك المادة 93. فالنص السابق كان يتيح للجهة، بمبادرة منها واعتمادا على مواردها الذاتية، أن تمول أو تساهم في تمويل تجهيز أو مرفق أو خدمة عمومية لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية، وذلك في إطار تعاقدي مع الدولة. أما الصيغة الجديدة فتجعل مساهمة الجهة ممكنة، *بمبادرة من الدولة*، في تمويل مشروع أو برنامج وطني داخل دائرتها الترابية لا يدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية.
ويقتضي هذا التعديل قراءة متوازنة. فمن جهة، قد يسمح بتحقيق انسجام أكبر بين المشاريع الوطنية والأولويات الترابية. ومن جهة أخرى، قد يُفهم باعتباره تقليصا للمبادرة المالية الذاتية للجهة في بعض المجالات. ولذلك، فإن نجاح هذه المقتضيات رهين بأن تكون آليات التعاقد بين الدولة والجهة واضحة ومتوازنة وقائمة على أولويات مشتركة.
تعزيز الموارد المالية: شرط لمصداقية الجهوية
لا يمكن لأي جهوية متقدمة أن تنجح دون موارد مالية كافية. ويحافظ المشروع على النسب المرصودة للجهات، وهي 5% من حصيلة الضريبة على الشركات، و5% من حصيلة الضريبة على الدخل، و20% من حصيلة الرسم على عقود التأمين. لكنه يضيف ضمانة مهمة، تتمثل في ألا يقل مجموع التحويلات المرصودة لفائدة الجهات عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من السنة المالية 2027.
وتمنح هذه المقتضيات قاعدة مالية أقوى للجهات، وتدعم قدرتها على البرمجة، وتوفر لها رؤية أوضح على مستوى الموارد، كما تعزز قدرتها على تمويل المشاريع المهيكلة. وهي بذلك تنسجم مع الطموح الرامي إلى جعل الجهة فاعلا استثماريا حقيقيا، لا مجرد فضاء للتنسيق الإداري.
غير أن تقوية الموارد المالية يجب أن تقترن بتحسين جودة الإنفاق العمومي. فمذكرة تقديم المشروع تؤكد أهمية ربط الموارد بالنتائج وتحسين مردودية التدخل العمومي الجهوي.
إصلاح في خدمة جهوية أكثر نضجا
إن أهمية هذه التعديلات تتجاوز بعدها التقني. فهي تعبر عن مرحلة جديدة من مسار الجهوية المتقدمة بالمغرب. فقد كانت المرحلة الأولى، التي انطلقت مع دستور 2011 وتعززت بالقوانين التنظيمية لسنة 2015، مرحلة بناء الإطار المؤسساتي للجهة. أما المرحلة الجديدة، فتسعى إلى جعل هذا الإطار أكثر فعالية وانسجاما وقدرة على الإنتاج.
وتقوم هذه الإصلاحات على ثلاثة مرتكزات مترابطة:
أولا، توضيح الاختصاصات حتى تتدخل الجهة في المجالات التي يمكنها أن تحقق فيها قيمة مضافة حقيقية.
ثانيا، تحديث أدوات التنفيذ من خلال تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية لتنفيذ المشاريع.
ثالثا، تعزيز الوسائل المالية عبر ضمان حد أدنى من التحويلات المالية ابتداء من سنة 2027.
وهذه الأبعاد الثلاثة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. فالاختصاصات الواضحة دون أدوات تنفيذ فعالة ستظل مجرد مقتضيات قانونية. والأدوات الحديثة دون تمويل كاف ستبقى محدودة الأثر. والموارد المالية المهمة دون حكامة صارمة قد تفقد فعاليتها. لذلك، فإن القيمة الحقيقية للإصلاح تكمن في قدرته على الجمع بين وضوح الاختصاص، ونجاعة التنفيذ، واستدامة التمويل.

