vendredi 1 mai 2026
كتاب الرأي

مراد علمي: ابن بطوطة والصين.. ذاكرة وحوار (1)

مراد علمي: ابن بطوطة والصين.. ذاكرة وحوار (1) مراد علمي

يشكّل ابن بطوطة إحدى الشخصيات العربية والإسلامية القليلة التي ما تزال تحظى بحضور فعلي داخل الذاكرة الثقافية الصينية المعاصرة. لم يعد ابن بطوطة مجرد رحالة مغربي زار الصين في القرن الرابع عشر، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من النقاش الأكاديمي الصيني حول تاريخ التواصل الحضاري بين العالم العربي والإسلامي والصين. ويكشف الاهتمام الصيني المتزايد بموروثه عن وعي ثقافي واستراتيجي بأهمية النصوص الرحلية في بناء صورة الأمم داخل الذاكرة الإنسانية.

 

لقد وصل ابن بطوطة إلى الصين خلال فترة حكم سلالة “يويـَـن”، في سياق ازدهار طرق التجارة البحرية والبرية بين آسيا والعالم الإسلامي. وفي كتابه الشهير "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" قدم ابن بطوطة وصفاً شبه دقيقا للمدن الصينية، للنظام التجاري ولحياة المسلمين داخل بعض الموانئ الصينية. وقد أبدى إعجاباً واضحاً بالتنظيم العمراني، وبالأمن، وبالتطور الصناعي الذي شاهده عن قرب. هذه الشهادات التاريخية لم تعد تُقرأ في الصين باعتبارها مجرد انطباعات رحالة مغربي، بل تحوّلت إلى مادة أكاديمية تُدرّس داخل أقسام الدراسات العربية والتاريخية. فالباحثون الصينيون ينظرون إلى رحلة ابن بطوطة كوثيقة تكشف كيف كانت الصين تـرى من الخارج خلال العصور الوسطى، أي قبل ظهور الصورة الغربية الحديثة للصين.

 

ومع الأسف، ما تزال إلى اليوم بعض الصور النمطية والسطحية للصين تُختزل في بعض الاطباق الغريبة عن الذوق المغربي، رغم أنها لا تعكس الواقع والمعايش داخل الصين. فالمطبخ الصيني ليس نموذجاً واحداً مغلقاً، بل عوالم متنوعة تضم الآلاف من المطابخ الاقليمية المتعددة، إضافة إلى مطاعم تقدم وجبات إسلامية وتركية من طرف قوميات مسلمة مثل الإيغور و "الخوي" ( ( HUI، تضم مقاطعة يونان عدداً من المدن والقرى ذات أغلبية مسلمة، وهو ما يعكس تنوعاً دينياً لافتاً داخل منطقة لا تُصنَّف كمقاطعة إسلامية بالأساس، أما المساجد، فهي منتشرة عبر أنحاء البلاد، ولا تكاد توجد مدينة صينية كبرى من دون مسجد، بعضها فاخر وباذخ إلى درجة يمكنه منافسة مساجد كثيرة في بلدان إسلامية. هم كثر، ويمكن ذكر مسجد "شينزن" مثلا، الذي افتتح سنة 2013 بمدينة شينزن وفق طراز معماري عربي حديث وقبة ومئذنة شامختين، ويُعد من أكبر المساجد في جنوب الصين، كما يعكس الحضور التاريخي والثقافي للمسلمين داخل المجتمع الصيني المعاصر.

 

شكلت السبعينيات من القرن الماضي نقطة تحول محورية في هذا المسار، حين أهدى الملك الراحل الحسن الثاني تغمده الله بواسع رحمته نسخة من "رحلة ابن بطوطة" إلى رئيس الوزراء الصيني الراحل "تشو إن لاي" خلال زيارته للرباط عام 1963، هذه اللحظة الدبلوماسية المضيئة جذبت انتباه الدوائر الرسمية والأكاديمية الصينية إلى أهمية هذا الموروث. تلا ذلك جهود مترجمين بارزين مثل "ما دجين بينغ" (Ma Jinpeng) و"لي غوانغ بين"  (Li Guangbin) ) الذين عملا على تحقيق النص وترجمته ترجمة علمية كاملة، مما مهد الطريق لظهور دراسات معمقة حول دلالات الرحلة وأبعادها الحضارية، يعتبر "ما دجين بينغ" من أكبر العلماء المسلمين الصينيين الذي عمل لسنوات طويلة على ترجمة "رحلة ابن بطوطة" مباشرة من العربية إلى اللغة الصينية، كما تميزت ترجمته بالدقة والتحقيق اللغوي الوازن وتعتبر ليومنا هذا المرجع الأساسي للباحثين الصينين، أما "لي غوانغ بين" كان معجبا أكثر بالمخطوطات والرحلات العربية، ويرجع له الفضل في إدماج "الرحلة" ضمن المناهج الدراسية التاريخية في الصين كموروث مشترك في إطار التسامح الديني والتبادل الثقافي والتجاري.

 

ومن أبرز الباحثين المغاربة الذين ساهموا في إعادة الاعتبار لهذا البعد الحضاري هو الباحث والمؤرخ المتميز عبد الهادي التازي، الذي يُعد من أهم من اشتغلوا على رحلة ابن بطوطة وعلاقات المغرب بالمشرق وآسيا. فقد تعامل التازي مع الرحلة باعتبارها وثيقة جيوثقافية، لا مجرد نص أدبي. وكان يؤكد أن ابن بطوطة رسم عبر أسفاره “خارطة للحضور المغربي والإسلامي من شمال إفريقيا إلى الصين”. كما حاول إبراز أن الرحلة تمثل شكلاً مبكراً من أشكال التواصل الحضاري بين المغرب والصين، قبل ظهور المفاهيم الحديثة للعلاقات الدولية.

 

بالنسبة لنا في المغرب، من الضروري دمج أدب الرحلة كمادة أكاديمية عابرة التخصصات في إطار حول: 1. تحليل البيانات الجيواقتصادية في النصوص الرحلية: تحويل مشاهدات وشهادات الرحالة (مثل ابن بطوطة) من نصوص أدبية إلى "بيانات اقتصادية كمية" تصف مراكز الإنتاج، وتكاليف النقل، والمخاطر اللوجستية التاريخية، ومقارنتها بممرات التجارة الحالية، 2. الذكاء الاصطناعي في تحليل المسارات التجارية: استخدام الخوارزميات لتحليل "السياق الاقتصادي" للرحلات القديمة بهدف التنبؤ بجدوى الممرات التجارية الجديدة، مما يحول الموروث التاريخي إلى "أداة استشارية" لصناع القرار الاقتصادي والمستثمرين، 3. مختبر الجغرافيا الثقافية: تدريس الرحلة كوثيقة تاريخية وجيوسياسية لفهم تطور الحدود والأسواق والمجتمعات بين الأمس واليوم، 4. هندسة السيادة الجيواقتصادية والاستراتيجية واستباق التحولات: توظيف مخرجات التحليل الرقمي لـ "الرحلة" ضمن نماذج التفكير الاستراتيجي السيادي، لتحويل التراث الجغرافي إلى قوة ناعمة تدعم تموقع المغرب كمنصة لوجستية عالمية، وتقديم رؤى استباقية لصناعة السياسات العمومية التي تربط بين الأمن اللوجستي العابر للقارات والرهانات الجيوسياسية المعاصرة.

مراد علمي، أستاذ جامعي

المغرب، ألمانيا، والصين

من المغرب إلى بلاد التنين: تأملات في أربعة كتب حول الصين