dimanche 26 avril 2026
كتاب الرأي

نبيل عادل: يا ليته صمت، اذهبوا غير مأسوف عليكم

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
نبيل عادل: يا ليته صمت، اذهبوا غير مأسوف عليكم نبيل عادل

كان بإمكان هذه اللحظة أن تتحول إلى لحظة دولة لا مجرد لحظة خطاب؛ لحظة يقف فيها رئيس الحكومة أمام الوطن والتاريخ لا أمام أغلبية برلمانية مضمونة التصفيق، فيقدّم حصيلة يرى فيها نفسه كما هي: ما نجح فيه بوضوح، وما أخفق فيه بشجاعة، لأن رجال الدولة لا يُقاسون بعدد الصفحات التي قرأوها من تقاريرهم، بل بعدد الحقائق التي امتلكوا الجرأة على قولها. لقد كانت فرصة نادرة ليخرج من عباءة المسؤول الحسابي الضيق إلى أفق رجل دولة يعتبر أن ما سيُكتب عنه في صفحات التاريخ أهم من أي موقع أو لقب، خصوصًا بعد أن طوى صفحة رئاسة حزبه ولم يعد يحمل عبء حسابات انتخابية مباشرة؛ كان يمكنه أن يقدّم حصيلة لا يهمها تصفيق المطبلين ولا ضجيج المتملقين، بل صدق التقييم أمام المواطنين. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: خطاب يعدّد “الفتوحات” كما لو أننا أمام نشرة انتصارات لا أمام حصيلة حكومية، وخطاب يلوّي أعناق الأرقام ليخفي تعثر الوقائع، وكأن المشكلة ليست في النتائج نفسها بل في طريقة سردها. وهكذا ضاعت لحظة كان يمكن أن تتحول إلى شهادة سياسية ناضجة تُكتب له في سجل التاريخ، فإذا بها تمرّ كتمرين بلاغي آخر يؤكد أن من شبّ على خطاب الإنجاز المعلن… شاب عليه.

حين تتحول الأرقام إلى ستارٍ لإخفاء الواقع

الرقم الذي قُدِّم تحت قبة البرلمان—850 ألف منصب شغل محدثة—ليس كذبًا إحصائيًا، لكنه نموذج صارخ لما يمكن تسميته صدقًا انتقائيًا بسوء نية سياسية؛ لأنه يَعُدّ ما خُلق في المدن بدقة محاسبية، ثم يمحو بجرة خطاب ما دُمِّر في العالم القروي وكأن 527 ألف منصب شغل فلاحي تبخّرت خارج الجغرافيا الوطنية. والحصيلة الحقيقية لا تُحسب بالإنجازات التي تُعجب الحكومة، بل بالصافي الذي يبقى للمواطن بعد طرح الخسائر من الأرباح. وعند إجراء هذه العملية البسيطة التي تجاهلها الخطاب الرسمي عمدًا، يتبيّن أن ما أُحدث فعليًا بين 2021 و2025 لا يتجاوز 332 ألف منصب شغل، أي بمعدل سنوي هزيل لا يتعدى 62 ألف منصب فقط—وهو رقم لا يمثل حتى ثلث ما وعدت به الحكومة نفسها حين تعهدت بإحداث 200 ألف منصب سنويًا. والأسوأ من ذلك أن أفضل سنة في هذه الحصيلة، وهي سنة 2021، لم تكن في الحقيقة ثمرة سياسات هذه الحكومة إلا خلال أشهرها الثلاثة الأخيرة فقط؛ ومع ذلك قُدِّمت وكأنها إنجاز خالص لها. إنه مشهد أقرب إلى لاعبٍ دخل أرضية المباراة في دقائقها الأخيرة، ثم خرج يحتفل بهدفٍ سجّله غيره.

وإذا أردنا وضع هذا الرقم في سياقه التاريخي الحقيقي، فإن معدل 62 ألف منصب سنويًا لا يبدو إنجازًا، بل تراجعًا واضحًا في الأداء الحكومي مقارنة بما تحقق منذ حكومة المرحوم بإذن الله الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي إلى يوم الناس هذا؛ فحتى الحكومات التي اشتغلت في ظروف مالية أصعب، ونمو أضعف، وهامش إصلاح أضيق، استطاعت في مراحل متعددة الحفاظ على وتيرة إحداث مناصب شغل أعلى أو على الأقل أكثر توازنًا بين المدينة والقرية. أما اليوم فنحن أمام مفارقة صادمة: حكومة تتباهى بأرقام خلق الوظائف في القطاعات غير الفلاحية، بينما يسقط نصف مليون منصب فلاحي بصمت ثقيل خارج نص الحصيلة وكأن العالم القروي مجرد هامش إحصائي لا وطن كامل. هكذا يتحول رقم 850 ألف من عنوان “نجاح استثنائي” إلى مثال كلاسيكي على خطاب يلمّع الأرقام بدل أن يفسّرها، يعدّد المكاسب ويمر مر اللئام عن الخسائر.

وهنا يبرز السؤال الذي حاول الخطاب الرسمي تجاوزه بسرعة لافتة: أين انتهت وعود “المغرب الأخضر” و“الجيل الأخضر” بعد كل هذه السنوات من الاستثمار والشعارات والاستراتيجيات؟ الواقع أن العالم القروي لم يحصد من هذه المسارات سوى مزيد من الهشاشة ومزيد من النزيف البشري نحو المدن. وهذا النزيف ليس مجرد خانة ناقصة في جدول إحصائي، بل هو أسر فقدت مصدر رزقها، وشباب اضطر إلى الهجرة القسرية نحو هوامش حضرية مكتظة أصلًا بسوق شغل يعاني اختناقًا مزمنًا، حيث لا تُخلق الفرص بالسرعة التي تُعلن بها في المنصات الرسمية. والمفارقة الأكثر دلالة أن من يقدم هذه الحصيلة هو نفسه من أشرف على القطاع الفلاحي لأكثر من عقد كامل، ثم يقف اليوم ليحدثنا عن سوق شغل فقد 527 ألف منصب فلاحي كما لو أن الأمر مجرد تفصيل تقني في هامش تقرير. هذه ليست مجرد قراءة انتقائية للأرقام، بل طريقة كاملة في إدارة الواقع: حين تختفي الوظائف من القرى، تختفي معها من الخطاب الحكومي أيضًا.

لو كانت الأرقام التي قُدمت تحت قبة البرلمان تعكس فعلًا واقع سوق الشغل، لما ارتفع عدد العاطلين من مليون و508 آلاف سنة 2021 إلى مليون و621 ألفًا سنة 2025، ولما ظل معدل البطالة عالقًا عند 13%، وهو مستوى يعيدنا عمليًا إلى سنوات التقويم الهيكلي، لا إلى زمن “الإقلاع الاقتصادي” الذي يُبشَّر به في البلاغات الرسمية. الحقيقة أبسط وأكثر إحراجًا: الحكومة تحصي الوظائف حين تظهر في المدن، وتتجاهلها حين تختفي في القرى، وكأن الفلاحة قطاع تجميلي يمكن حذفه من الصورة دون أن يتأثر المشهد. وقد تعهّد رئيس الحكومة نفسه بخفض البطالة إلى أقل من  9%في أفق 2026، لكن الأرقام الحالية تقول بوضوح إن هذا الهدف لم يعد برنامجًا حكوميًا، بل أصبح وعدًا انتخابيًا مؤجل التنفيذ إلى إشعار آخر.

وعود الحكومة… وسراب القدرة الشرائية

حين استشهد رئيس الحكومة بنسبة تضخم تقل عن 1% سنة 2025، بدا الأمر وكأنه إعلان نهاية أزمة الغلاء لا مجرد تحسن ظرفي في مؤشر واحد داخل سلسلة زمنية كاملة. والحقيقة أن هذا الرقم، رغم صحته التقنية، لا يمثل إلا لقطة انتقائية من فيلم طويل امتد منذ 2021 إلى 2025، بلغ خلاله متوسط التضخم نحو 3.6%، ولامس الذروة عند 10.1% في فبراير 2023، أي أعلى مستوى منذ عقود. لكن الخطاب الرسمي اختار السنة التي تخدم السردية وتجاهل السنوات التي صنعت الأزمة، وكأن الولاية الحكومية بدأت في 2025 لا في 2021، وكأن المواطن عاش أربع سنوات من الاستقرار السعري قبل أن يفاجأ فجأة بسنة واحدة جيدة تستحق الاحتفاء. إنها نفس التقنية الخطابية التي تُقاس بها النجاحات بالسنة الأدنى لا بالسلسلة الكاملة، وتُقرأ بها المؤشرات من زاوية واحدة لا من منظورها الزمني الحقيقي.

والانتقائية لم تتوقف عند اختيار السنة المناسبة، بل امتدت إلى اختيار المؤشر المناسب أيضًا؛ إذ تم الاستشهاد بالمؤشر العام للتضخم، بينما تُرك المؤشر الأكثر التصاقًا بحياة المواطنين—أي تضخم المواد الغذائية—خارج دائرة الضوء، رغم أنه سجل متوسط ارتفاع يقارب 6.3% وبلغ ذروته عند 13.2% خلال نفس الفترة. فالمواطن لا يستهلك “المعدل العام للتضخم”، بل يشتري الخبز والطماطم واللحم والسمك، وهذه تحديدًا هي المواد التي شهدت في بعضها زيادات صادمة تجاوزت 300%، أي زيادات لا تُقاس بمنطق النسب الاقتصادية، بل بمنطق الوجبات التي اختفت من موائد الأسر. وهكذا يتحول خطاب السيطرة على التضخم إلى مثال جديد على قراءة انتقائية للأرقام: نأخذ منها الأدنى ونصمت عن الأعلى، نستشهد بالمؤشر الإجمالي ونتجاهل تفصيله القطاعي، ونقدّم سنة واحدة مريحة بدل حصيلة خمس سنوات كاملة—لتصبح القدرة الشرائية التي وُعد المغاربة بحمايتها مفهومًا أنيقًا في التقارير… ومؤلمًا جدًا عند باب السوق.

طفرة في المداخيل… وعجز يرفض التقاعد

يحاول رئيس الحكومة إقناع الرأي العام بأن المالية العمومية استعادت انضباطها مستندًا إلى تراجع عجز الميزانية إلى نحو 3.5% سنة 2025 مقارنة بـ 7.1% سنة 2020، لكن هذه المقارنة في حقيقتها ليست قراءة مالية بقدر ما هي مقارنة انتقائية تُحسّن الصورة أكثر مما تفسّر الواقع؛ لأن سنة 2020 لم تكن سنة مالية عادية أصلًا، بل سنة استثنائية بكل المقاييس، سنة الجائحة التي انفجرت فيها النفقات وتراجعت فيها الموارد في معظم اقتصادات العالم كمقارنة مريض خرج لتوه من غرفة الإنعاش بشخص أنهى سباق ماراثون؛ والمقارنة الصادقة لا تكون مع سنة انهيار، بل مع سنة مرجعية مستقرة مثل 2019، حيث لم يكن العجز يتجاوز 3.3% من الناتج الداخلي الخام، ما يعني أن الحكومة، رغم الزيادة غير المسبوقة في الموارد العمومية، لم تنجح حتى في العودة إلى مستوى ما قبل الأزمة، فضلًا عن تحقيق اختراق مالي حقيقي.

وهنا تبدأ المفارقة التي يحاول الخطاب الرسمي تجاوزها بصمت ثقيل: المداخيل العادية للدولة ارتفعت من 252.8 مليار درهم إلى 410 مليارات درهم، أي بزيادة تقارب 58.6%، والمداخيل الجبائية وحدها قفزت من 212.6 مليارًا إلى 358.9 مليار درهم، أي بنسبة 68.5%—ومع ذلك ظل العجز في حدود 3.8% سنة 2025، أي أعلى مما كان عليه قبل الجائحة. إنها معادلة لا تحتاج إلى تأويل معقد: غارات ضريبية أكثر، موارد أكبر، لكن الانضباط نفسه لم يتحسن. فحين ترتفع الجبايات بهذا الحجم ولا ينعكس ذلك في تحسن مماثل في التوازنات المالية، يصبح السؤال مشروعًا ومحرجًا في آن واحد: أين ذهبت كل هذه المليارات قبل أن تصل إلى نتائج ملموسة؟ والأخطر من ذلك أن تحويل سنة استثنائية إلى مرجع للمقارنة ليس مجرد خطأ تقني في القراءة، بل أسلوب متكرر في إدارة الخطاب المالي: نختار نقطة الانطلاق الأضعف لنُظهر النتيجة أقوى، ونعلن استعادة الانضباط لأن الأرقام تحسّنت مقارنةً بأسوأ لحظة ممكنة، لا لأنها تحسّنت فعلاً مقارنةً بما كان ينبغي تحقيقه.

تضخم النفقات… ونمو ينتظر المطر

تبدو المفارقة المالية اليوم أوضح من أن تُخفى خلف لغة المؤشرات: المداخيل العمومية ترتفع بوتيرة غير مسبوقة، ومع ذلك يظل العجز صامدًا، بل أعلى مما كان عليه قبل الجائحة. والسبب في الحقيقة بسيط ومقلق في آن واحد: لأن النفقات ارتفعت بوتيرة أسرع من المداخيل نفسها. فقد قفزت النفقات العادية من 224.4 مليار درهم سنة 2019 إلى نحو 372.1 مليار درهم سنة 2025، وارتفعت نفقات الاستثمار من 72.3 مليارًا إلى 129.4 مليار درهم، كما تضخمت كتلة الأجور من 127.7 مليارًا إلى 179.7 مليار درهم. من حيث المنطق المحاسبي نحن أمام دولة تنفق أكثر بكثير مما كانت عليه قبل سنوات قليلة، لكن من حيث الأثر الاقتصادي نحن أمام اقتصاد يواصل النمو بنفس الهشاشة تقريبًا، وكأن هذه المليارات الإضافية لم تتحول إلى قوة دفع إنتاجية، بل إلى كتلة إنفاق ثقيلة محدودة المردودية. وهنا يظهر القلق الحقيقي: لأن النفقات العمومية بطبيعتها لزجة هيكليًا، أي أنه يصعب تقليصها لاحقًا، بينما المداخيل العمومية بطبيعتها دورية مرتبطة بإيقاع النمو الاقتصادي والظرفية الجبائية. أي إننا أمام معادلة خطرة: مصاريف ترتفع وتستقر عند مستويات مرتفعة، مقابل مداخيل قد تنخفض مع أول تباطؤ اقتصادي، وهو ما ينذر بما يمكن وصفه دون مبالغة بـ رعب موازناتي قادم إذا انعكس اتجاه الدورة الاقتصادية.

والأكثر إثارة للانتباه أن هذه الطفرة في الإنفاق لم تُترجم إلى تحسن واضح في معدل النمو، الذي ظل رهين التقلبات الفلاحية أكثر مما هو رهين السياسة الاقتصادية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول جودة هذا الإنفاق لا حجمه فقط. فلو كانت هناك عقيدة اقتصادية واضحة تحكم توظيف هذه الموارد الاستثنائية، لكان من المنطقي توجيه جزء معتبر منها لتخفيف عبء المديونية العمومية وتعزيز السيادة المالية للدولة استعدادًا للدورات الاقتصادية الصعبة المقبلة، بدل تحويلها إلى نفقات ذات أثر اقتصادي محدود، أقرب إلى وقود استهلاكي سريع الاحتراق يستفيد منه الموردون على المدى القصير دون أن يترك أثرًا إنتاجيًا دائمًا في بنية الاقتصاد. وهكذا تتحول المفارقة من مجرد خلل محاسبي إلى إشكال استراتيجي: دولة تجني موارد أكثر من أي وقت مضى، وتنفق أكثر من أي وقت مضى، لكن قدرتها على تحصين توازناتها المالية للمستقبل لا تبدو أقوى مما كانت عليه قبل سنوات.

وفي النهاية، بعد كل هذا الاستعراض للأرقام التي قُدِّمت كحصيلة، يتضح أن المشكلة لم تكن في المعطيات بقدر ما كانت في طريقة سردها: أرقام تُنتقى بعناية، ومقارنات تُختار بذكاء، ووقائع تُؤجَّل إلى الهامش حتى لا تُربك الرواية الرسمية. كانت لحظة تستدعي الصراحة لا المراوغة، والمصارحة لا المحاسبة الانتقائية، ورجل دولة يحدّث وطنًا لا مسؤولًا يحدّث أغلبية. ولو قُدِّمت الحصيلة كما هي، بما لها وما عليها، لربما حفظت لصاحبها قدرًا من الوقار السياسي وهو يغادر. كان الأجدر به أن يصمت… فالصمت أحيانًا آخر ما تبقّى من كرامة الحصيلة حين تعجز الأرقام عن القفز على الواقع. أمّا وقد قيل ما قيل، وبدا الخطاب أبعد عن الحقيقة من أن يكون شهادة دولة أمام التاريخ، فلم يعد للمواطن إلا أن يطوي صفحة هذا الكابوس الثقيل الذي جثم على صدورنا بالعبارة التي تُقال عند انقضاء زمنٍ لم يترك أثرًا يُذكر: انصرفوا… فلا التاريخ سيتوقف عندكم، ولا الوطن سيفتقدكم.

 

نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية

عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية

 

 

 

 

 

 

 

fa43adde-9237-4fa7-a4a0-0dceb2578eab.png

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg