صَغِيرَيْنِ نَرْعَى البَهْمَ يا لَيْتَ أنَّنَا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
(قيس بن الملوح)
كان القلب طريًّا، وكانت الأشياء تُعطي نفسها بكرم لا يتبعه مَنّ، وكان النهار أقلّ خبثًا والليل أقلّ دهاءً، والروح أقلّ علما بجراحها. كنّا نحس أن الحياة حضنٌ طويل، وأن الزمن ممرٌّ معبّدٌ بالندى، وأن الآباء يملكون في جيوبهم صكوك الغفران، حيث يمكن أن يُمحى الخطأ الصغير بقبلة، وأن الكذب الأبيض لا يُثقِل ميزان السماء.. لكنّنا كبرنا، فجأة، وكأنّ الكِبر ليس ازديادًا في العمر فقط، بل سقوطٌ بطيء من شجرة البراءة، وتدرّجٌ مرير في معرفة ما لا ينبغي للقلب أن يعرفه.
لم تعد الحياة تهدهدنا على سريرٍ من طمأنينة، ولم يعد البحر يغسل أرواحنا وينعش ذكرياتنا بملحه القديم. حتى الأغاني التي كانت تُرمّم أعطابنا الخفية، حين كان القلب خفيفاً كريشة، صارت تمرّ بنا كأطياف باهتة، لا توقظ في الدم غير تعب العمر ولا تُنشّط دورتنا الدموية لاجتياز درج واحد في سُلّم الوجود.. وملائكة اليمين، التي كانت تترصّد فضائلنا الصغيرة، ضجّت من خواء الصحائف، كأنّنا لم نعد نترك وراءنا إلا غبار السرعة، وآثارًا باهتة لكائن نسي كيف يكون كائنًا.
سئمَت الأشجار التي كنا نمرّ بها كل صباح وكأنها تعرف أسماءنا، وقوفها النبيل في وجه الريح، ولم تعد ترفع لنا يدا للتحية. كما لو أرهقها عبء التفرّج على هذا الانطفاء بسبب الكآبة العفنة في الضلوع. أوراق الشجر المتساقطة على الأرصفة ليست بقايا فصلٍ فقط، بل بقايا معنى. والزهور التي كانت تفتح فينا قرابةً سرّية مع العالم، لم تعد سوى زخرفةٍ حزينة على هامش العطب. كيف نعيد إلى ما يبِس في الداخل نسغ الروح، أوصاف الزهر، عطر النساء الجميلات وأغاني الحصاد القديمة؟ كيف نردّ إلى الأشياء روحها ونسغها؟
صارت البراعم تذوي في الحديقة قبل أن يبتسم السنونو، والوديان التي كنّا نستلقي على حرير سريرها لنختلس النظر إلى السماء في وضع عائم، أضحت ذاكرةً جافة، كأنّ الأرض نفسها شاخت. ولم يعد بمقدور المطر أن يفي بوعوده التي تجعلنا مثل خطاطيف تبشر بأول الربيع، ما عدنا ننتظر من السكينة أن تقتنع بأن تعوج على طللنا، كما كانت تفعل حين كانت الكلمات طازجة، طرية، تنبت في الأفواه مثل براعم الندى. فقدت اليوم طرافتها وصارت تنمو في أفواهنا مثل أسنانٍ متعبة، وشياطيننا التي كانت تمنحنا نزق المغامرة وطيش الحلم، أصابها الخمول؛ حتى ذلك الجنون الطفلي فينا هرم..
فجأة سقطنا في ركام الغبار وحطام بقايا الذاكرة وشظايا الأحلام الملتبسة وأوهام منجّمين قرأناهم في كتب صفراء لأن الواقع كان أكثر عتمة من أن يُحتمل بلا عزاء.. هذا زمن المهازل والعتمات البليدة، ما بزغ منها وما بطن.. هذا زمنٌ لا يكتفي بقتل المعنى، بل يمشي في جنازته. حتى الفراغ يدلي برأيه فيما صرنا إليه، وبات العدم يشارك في صياغة مصيرنا. فيما السماء تحاول أن تبدو محايدة ومحافظة على اتزانها كأننا من القضايا المتشابهة.. أتقنت بلاغة اللامبالاة، وتركتنا نتدبّر خرابنا وحدنا.
خلت الطرقات من أثر الدهشة وأمراضنا فقدت أسماء جنسها وأضحت تحيل على أصل الحيوان فينا، من جنون البقر إلى أنفلونزا الخنازير. كأنّ الحضارة لم تكن سوى قشرة رقيقة، سرعان ما تنشقّ إذا اشتدّ الحرّ على الروح. لم تعد تجذبنا حكايا عيون الماء، داخت الأرض، ولم تعد قادرة على إتمام دورتها لا حول قرص الشمس ولا حول وجه القمر الكابي، لأن الإنسان أثقلها بفراغه، بقدرته الهائلة على تحويل النعمة إلى آلة، والذاكرة إلى أرشيف، والقلب إلى مضخة تؤدي وظيفتها بصمتٍ ميكانيكي.
يتساقط العمر على إيقاع رقص الساعة الحائطية مثل دمعةٍ أتعبها السقوط. غبش حزين يتمطى في جنبات المدفئة، يتثاءب.. كم بحثنا عن حلم لا يلوي عنقه الريح.. فإذا بنا نُدفَع إلى مرافئ الألم كلّما ظننّا أننا اقتربنا من اليابسة. حتى قراصنة الوقت وقادة الحروب المهذّبة لم يحيدوا بجزيرتنا قليلًا عن خرائط الوجع. صارت الهاوية سافرةً، وصرنا نمشي إليها بأقدام متبرّجة، كأنّ الهلاك نفسه أضحى جزءًا من اللياقة اليومية.
صحيح أننا أصبحنا ندرك الفروق الدقيقة أكثر: الغيوم المنتصبة فوق رؤوسنا، الكرسي الذي يهتز كلما افتقد شهوة الحنين، المقبرة العتيقة التي تستقبل كل يوم موتى بلا عدد ولا حلم، والعرافة التي تقرأ الطالع على أكف الشواهد الباردة.. عود الثقاب النائم في سرير الزحام، الأشجار المحزوزة الأعناق، المشانق المحلاة بدليل إشهاري، المصعد الإلكتروني والشبكة العنكبوتية.. لكن المعرفة لم تجعلنا أكثر سعادة، بل أكثر تعباً.
يبست شفاهنا، وتخشبت نظراتنا. لم يعد الهواء يتسع لأنين الطفل الذي كان يسكننا والذي كان يصدّق أن العالم، مهما قسا، يمكن أن يُروّض بالحب.. امتلأت قلوبنا ببثور وحل الطريق، وصارت مثل كيسٍ مليء بأصوات الجماجم. كأنّ الحزن مرض جلديّ للروح، وكأنّ العمر ليس إلا تراكمًا بطيئًا للندوب. صرنا نحمل في صدورنا ضجيج جماجم لا أصوات عصافير، وصار الليل أكثر كثافةً من أن نزيح شَعره عن وجه السماء لنرى شهوتها القديمة إلى الضوء.
الورود شحبَت، العصافير فقدت شهية النشيد، الحقول أضاعت بكارتها، والخيول باعت صهيلها في أسواق النخاسة. وزهرة الغنباز أصابها الوسن قبل وصول العقارب إلى الالتصاق في منتصف ساعة الجدار.. والأصدقاء القدامى تساقطت نجومهم على اليابسة، افرنقعوا عنا وتناثروا في الجهات كما لو أنّ الصداقة أيضا لها منفاها، والأحبة خرجوا من أحلامنا المشتركة كما تخرج السفن من خرائط الغرق. لم يعد أحد ينصت في أصداف المحار إلى ما يجعل الرحيل مغامرةً لا هزيمة، ولا أحد يرقّع ثقوب الزمن بما تيسّر من أوهام.
بالأمس كنا نحضن الأشياء بصدق العاشقين. نهرّب أحلامنا الصغيرة إلى الظل ونربيها على دفء أكفّنا. وننصت إلى صوتها كأنّه قادم من فجوةٍ في الأزل. كنّا نعتقد، بسذاجة تليق بالنبل، أنّ في وسعنا امتلاك سرّ الينابيع وفطرة الفراشات التي توقظ الحنين في الزهور..
كنّا شموعًا صغيرة، نعم، لكنّنا كنّا نضيء العالم. وبذرة الحياة تختمر فينا مطرزة بحرير الحلم وعرق السواعد المشمرة لزرع حبّة أمل.. كان للشوك ملمسُ الحرير تحت وجع أقدامنا ونيران الدروب الموجعة بردا وسلاما على أرواحنا، لأننا أسكننا الكون أعراسا ورؤى، وخبّأنا في طرف الشمس مدائن وأسرار، وكوّمنا في الأفق مطرا طاهرا يغسل به الجناة والجلادون سيوفهم من أثر دمائنا.. كنا نسارع الخطو في بحر الأزمنة دون الوصول إلى عتبة واحدة من الأمكنة المشتهاة، لأننا سرنا إلى الحياة مسندين جباهنا إلى موت أجلّ، ولأنّ الغاية كانت أكبر من العثار، ولأنّ الروح حين تؤمن، تخفّف حتى من فظاظة الطريق.
كنّا نبهج بالقليل، لا لأنّ العالم كان كريمًا، بل لأنّ القلب لم يكن شرهًا. ظللنا نكابر دفاعا عن وهم خيوط شمس ناعمة تدخل دروبنا العتيقة لتلامس الأجساد المسهدة وتمدنا بالدفء في ظل فراغ مهول.. لم نكن نسأل كثيرًا عن عدالة القسمة الضيزى، لأنّنا كنّا ما نزال نملك ثروةً لا يراها أحد: القدرة على الانخطاف، على التصديق، على إيداع العالم فائض الحب والبراءة. كنّا نختزن سنابل الفرح للأيام العجاف، ونقايض القسوة بالمودّة، ونؤجّل التجاعيد ما استطعنا بمرحٍ فقير لكنه شريف. حتى خصوماتنا كانت تشبه زقزقة العصافير: عابرة، خفيفة، لا تترك في الروح هذا السواد المقيم.
وكلما حل الصيف، اغترفنا الحكايات والماء المستحيل من أوراق الشجر وفخذ النساء. كنا نكدس سنابل الفرح الذي لا نسرفه كثيرا في مواسم الحصاد، لليالي العجاف وأيام الهلع.. نقيم المودة بكل التقسيط المريح مع ما يشاكس رغباتنا، ولا نترك فرصة للتجاعيد كي تصدح بركام العمر المتعب.. ثم تضخّم كل شيء: قاماتنا، هواجسنا، شراهتنا، خيباتنا وأحزاننا... مثل بقايا عصر بطولي نبدو الآن، وحده العالم صار أصغر: قريةً ضيقة لا تتّسع للحالمين ولا للتائهين ولا لأصحاب الخطى التي تمشي خارج القطيع. عالم نقيم فيه ولا يقيم فينا.. صرنا نعرف أكثر، لكننا خسرنا أكثر. لأنّ المعرفة، حين لا تسندها حكمة أو محبة أو عزاء، ليست نورًا دائمًا؛ قد تكون شكلًا آخر من أشكال العتمة.
فما البلوغ إذن؟ أهو اكتمال الكائن أم انكساره؟ أهو نضج الروح أم تصحّرها البطيء؟ لعلّنا لا نكبر حقًا، بل نفقد تدريجيًا القدرة على الدهشة، والقدرة على العفو، والقدرة على أن نُخدع بشكل جميل.
لماذا لم يعد الحنين يجرفنا كما كان؟ كأنّ المعجزات بارَت، والعالم صار مفرط التفسير، فقير الأسرار. نزفت أحلامنا كالريح حين تجرحها الجهات، وهزلت أمنياتنا حتى لم تعد أحصنة الخيال تملك ما يكفي من الصهيل لتشقّ الأفق. مضى عمرنا في اتجاهٍ مضادّ لرياحنا، ولم نستطع اللحاق به، ولا البقاء في الميناء الذي ودّعناه منه. وها نحن ننوء بثقل آثام الوجود، كأنّ كل خطايا التاريخ مرّت من أجسادنا، وكأنّ الإنسان خُلق لا ليحيا فقط، بل ليختبر إلى أي حدّ يمكن للروح أن تحتمل.
مثل النسور كنا، نشتهي أعالي الأماني لا المواقع، اللاحد نربيه، نوسع به حدقة أعيننا من أجل الآخرين، كنا مستعدين لنختصر فسحة عمرنا لنحافظ على شمس البسمة في روابينا. نحلم ونحلم ونحلم، وحين نفتح أعيننا من جديد ونبذل قصارى جهدنا لنرى بقية الحلم.. آه كم كانت أحلامنا بريئة وكانت الحياة أبهى.
لماذا لم يعد يجرفنا الحنين إلى بهاء الغامض فينا؟
بار زمن المعجزات ولم يعد هناك ما يفاجئنا.. نزفت أحلامنا كالجرح في جسد الريح، هزلت أمانينا وأصيبت بالكساح، ولم تعد أحصنة الخيال تملك نفس الجموح، ضاع صهيلها الذي كان يزهو في الآفاق، متموجا مع الريح مثل زغرودة فرح الفاتحين.
إنّ أكثر ما يوجع في الكِبر ليس تجاعيد الوجه، ولا شيب الرأس، بل تجاعيد الدهشة وشيب الرغبة. ليس أن يتقدّم بنا الزمن، بل أن يتراجع فينا العالم. أن نفقد بالتدريج تلك الصلة السرّية بين القلب والأشياء، بين الاسم ومسمّاه، بين الينبوع وعطشنا إليه. أن نصير حكماء أكثر مما ينبغي، لأنّ الحياة خذلتنا بما يكفي كي نكفّ عن التصفيق للمعجزات.
لمَ ننوء بثقل كل آثام الوجود ونبتلع الأحزان كأدوية مرة؟ نحتفي بالفوضى المنظمة وبالشك في نجاعة وعود الربيع.. ما أصعب ما نطلبه من هذا العالم، ليتنا.. ليتنا لم نكبر.
لا لأنّ الطفولة كانت "زمنا جميلا"، ولا لأنّ الماضي كان فردوسا دائمًا، بل لأنّ أرواحنا فيه كانت أوسع من هذا العالم الذي أفقدنا دهشتنا الأولى.
ما أعسر ما نطلبه من هذا العالم: ليتنا لم نكبر!




