كيف لمنطقة حظيت بحجم كبير من الاستثمارات العمومية، مثل مناطق الشمال، أن تتحول، في الآن نفسه، إلى “مشتل” لإنتاج الفكر الظلامي وشيوع التطرف؟ ألا تدفع المقاربة التنموية التقنوية الصرفة، حين تنفصل عن الأبعاد الاجتماعية والثقافية والتربوية، نحو مساءلة عميقة لنجاعة السياسات العمومية في تحقيق الاندماج المجتمعي وتهذيب سلوك الأفراد؟ ألا يقتضي ذلك الانتباه إلى التحولات التي مست مدن الشريط الشمالي؟
ضمن هذا الأفق، كنا مارسنا “تحرشا إيجابيا“ متعدد المستويات، وذلك في عرض افتتاحي بمناسبة المؤتمر 34 لصحفي ضفتي البحر الابيض المتوسط، الذي نظمته الجمعية المغربية للصحافة والجمعية الإسبانية للصحافة، في 10 نونبر 2016 بمدينة مارتيل، خاصة أن هذا النص الذي نعيد نشره اليوم يكتسي أهمية مزدوجة:
أولا: لأنه وثيقة تحليلية تضيء جانباً من خريطة التطرف في المغرب؛ وثانيا: لأنه يعكس تحولات الوعي بدور الصحافة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، ويطرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين التنمية والدين، والهجرة، وتجفيف التكرف والفكر الظلامي في السياق المتوسطي:
“بالنسبة لي لن تكون مداخلتي عرضا أكاديميا بل ستكون عبارة عن شهادة لصحفي ممارس في المغرب. تعاملنا نحن في جريدة “الوطن الآن“ وموقع “أنفاس بريس“ مع الظاهرة الإرهابية كان تعاملا ينطلق من قناعة أن الصحافة تنتعش في مجتمع دينامي، مجتمع يؤمن بالتعايش والتدافع المدني على أساس تدبير الإختلاف بين مختلف فرقاء الحقل السياسي، بينما الإرهاب والتطرف لايؤمن أصلا بهذه القيم بشكل يهدد شرط وجود الصحافة، على اعتبار أن الصحافة شرط وجودها هو وجود مجتمع مدني، حي ووجود تدافع مدني بين الفاعلين في الحقل السياسي والجمعوي والنقابي، لكن لما تصبح الظاهرة الإرهابية هي المهيمنة وهي المسيطرة يصبح المجتمع شموليا لا مكان فيه للقيم الكونية. من هنا موقفنا الصارم في مؤسستنا الإعلامية المرتكز على شعار: “لاحياد مع الإرهاب“. وبالتالي فالمقولة التي تقول بحياد الصحفي وبكونه مجرد ناقل للمعلومة غير ذات جدوى، ولن أقبل بأي كان أن يقول لي أنت صحفي غير محايد في معالجة الظاهرة الإرهابية أو شيء من هذا القبيل . قد أقبل هذا الإنتقاد لو كان يندرج تحت سقف التعايش والتدافع المدني، لكن لما يصبح في سياق تهديد هذه القناعة وتهديد هذه القيم، فهنا لا مجال للحديث عن الحياد.
من هذا الباب نصر على تسليط كشافات ضوئنا من الناحية الإعلامية على الظاهرة الإرهابية ومقاربتها من كل أبعادها، ليس فقط في الجانب الأمني بل أيضا في أبعادها الدينية والإجتماعية والتربوية، وكذا المتعلقة بالتنشئةوالوسائط الإجتماعية. ومن حسن الصدف أو من مكرها أن هذا اللقاء ينظم في مدينة مرتيل، وهي المدينة التي توجد في شريط الشمال، المعروف بتناسل الخلايا الارهابية.فمن خلال الدراسات التي أنجزناها انطلاقا من البلاغات الرسمية، نجد أن الظاهرة الإرهابية وإن كانت موجودة على مستوى التراب الوطني ككل ووجود خلايا مفككة في الداخلة، الدار البيضاء، سيدي بنور، جمعة سحيم، إلخ... فالإحصائيات تظهر أن هناك حوضين هما الأكثر استئثارا بوجود الظاهرة الإرهابية: الحوض الأول هو محور فاس- مكناس- بولمان، والحوض الثاني هو محور طنجة- الحسيمة بما فيها مرتيل. وسأسقط المحور الأول لأنه لايعنينا اليوم بحكم أننا نتواجد جغرافيا في المنطقة الشمالية.
وكما قلت فالمحور الشمالي يحتل المرتبة الأولى على مستوى استئثاره بالخلايا المفككة في السنوات العشر الماضية. وهنا أود أن أستحضر مفارقة تتجلى في الاستثمارات العمومية الباهظة المخصصة للشمال من طرف الدولة. فاذا أسقطنا الصحراء، لاتوجد منطقة في المغرب استأثرت بالإستثمار العمومي بمثل ما استأثر به الشريط الشمالي، إذ حسب الإحصائيات الرسمية فالدولة أنفقت 250 مليار درهم في السنوات العشر الماضية، وكما قلت لاتوجد منطقة في المغرب استأثرت بهذه المبالغ، إذن يفترض أن دولة ما، وليس المغرب فقط لما تنفق وتقوم بمجهود استثمار في المنطقة “أ“ أو في المنطقة “ب“، فالنتيجة هي أن نكون أمام واحة من الرخاء والرفاهية، وأن تكون تلك المنطقة إحدى المرتكزات أو السند الذي يساعد الدولة في القيام بصيانة قيمها الكونية.
لكن الملاحظ أنه رغم ضخ 250 مليار درهم في منطقة الشمال من طرف الدولة، فقد تحول الشمال الى مشتل للفكر الظلامي وللخلايا الإرهابية.
والمثير هو أن المنطقة المحيطة بسبتة المحتلة، والمنطقة المحيطة بمليلية، هما الأكثر استئثارا. وهنا أطرح أسئلة لا أمتلك أجوبة عنها صراحة: هل المشكل مرتبط بكون سبتة ومليلية المحتلتين معبران للمرور نحو أوروبا؟ وبالتالي تسلل الجهاديين القادمين ليس فقط من المغرب بل من دول أخرى إلى بؤر التوثر العالمية )سوريا، العراق، أفغانستان...(؟ أم لوجود شبكات للتهريب بسبتة ومليلية، إذ تبث أن عددا من الخلايا لها علاقة ليس فقط بالإرهاب بل تزاوج مابين الإرهاب والتهريب ليس فقط في المغرب، في الساحل، في آسيا، فرنسا، بلجيكا؟...والسؤال الثالث هل للأمر علاقة بالمشاكل التي كانت للمغرب مع حكومةأثنار،إذ لما تولى هذا الأخير الحكم في إسبانيا قطع روابط مغاربة سبتة ومليلية المحتلتين مع المؤسسة الدينية المغربية. ولما قطع ذاك الرابط فتحت القنوات وفتحت الجسور لتستوطن الحركات الجهادية والحركات المتطرفة في سبتة ومليلية، ولم تستفق اسبانيا من الضربة حتى وقعت فيها واقعة 2005 الإرهابية. آنذاك انتبهت مدريد الى الخطأ الذي ارتكب في عهد الحكومة أثنار.
وكما قلت، هذه تبقى مجرد أسئلة وليست أجوبة. المفارقة الثانية تتجلى في أنه إذا أسقطنا الدار البيضاء كعاصمة مالية واقتصادية للمغرب، نجد بأن الناظور هي العاصمة المالية الثانية بالمغرب، ولكن سكان مدينة الناظور الذين لايتعدى حجمهم حتى نصف حجم سكان مقاطعة من المقاطعات الست عشر لمدينة الدار البيضاء، عوض أن يرفلوا في النعيم وأن يرفلوا في الإزدهار، نجد بأن الناظور أيضا أصبحت حاضنا للخلايا الإرهابية وللشبكات الجهادية التي تم تفكيكها.
وهنا أضع بين يدي الجمعية المغربية للصحافة دراستين نشرناهما بـ “الوطن الآن“: الدراسة الأولى نشرناها في دجنبر 2014، والدراسة الثانية نشرناها في ماي 2016.
لماذا حرصت على الإستشهاد بهاتين الدراستين؟ الجواب يكمن في أنه منذ 2003 الى اليوم فكك المغرب حوالي 140 خلية إرهابية حسب إحصائيات مدير “إف بي أي“ المغربية عبد الحق الخيام خلال الندوات الصحفية التي كان يعقدها، لكن في سنة-وهي الفترة المدروسة من 2013 إلى 2014 - تم تفكيك 21 خلية إرهابية. أي ما يعادل 15 في المائة من مجموع ما تم تفكيكه في عشر سنوات. نفس الشيء فيما يخص الدراسة التي نشرناها في السنة الموالية ، حيث بلغ عدد الخلايا المفككة 69 خلية في 36 إقليم. ونجد أن الأقاليم الممتدة من طنجة الى الحسيمة تحتل 35 في المائة ضمن هذه الأقاليم الست والثلاثين؛ علما أن الساكنة المعنية في المنطقة الشمالية لاتمثل ثقلا بشريا بشكل يجعلها تستحوذ على 35 في المائة.
لو كانت المنطقة الشمالية تمثل 35 في المائة من سكان المغرب ، آنذاك قد أفهم تبعا للمحاصصة مابين الخلايا المفككة وبين عدد السكان، ولكن الشريط المذكور: المضيق، الفنيدق، مرتيل، الناظور، الحسيمة...هي كلها مدن تتراوح ساكنتها مابين 80 و200 ألف حسب كل مركز حضري. وهنا السؤال الكبير أين يتجلى الخلل الذي حول شمال المغرب الى مشتل للإرهاب؟ هل المسؤولية تعود الى المؤسسة الدينية الموكول لها عن طريق المجالس العلمية المحلية وعن طريق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القيام بدورها في حماية الأمن الروحي ؟ هل يعود الى التيه الذي يعيشه شباب هذه المنطقة من حيث أن الإستثمارات التي تقدر ب 250 مليار درهم تم ضخها في البنية التحتية دون أن تمس الإنسان الذي يقطن بالشمال، وبالتالي ليست هناك منافذ أمام هذا الشباب؟ وتبقى عدد من علامات الإستفهام مطروحة وتسائلنا جميعا.
من هنا مسؤوليتنا نحن كإعلاميين فيما يخص مواكبة هذا الموضوع عن طريق ممارسة نوع من التحرش على ثلاث مستويات:
أولا التحرش على صانعي القرار لدفعهم للإهتمام والإنتباه ومسائلة أنفسهم لماذا منطقة الشمال هي حوض الخلايا الارهابية. وهذا التحرش الأول مع السلطة العمومية يتم لدفعها حتى لا تصاب بالخمول والإرتخاء، لكن المفارقة تكمن في أننا بقدر ما نجد الأجهزة الأمنية بمختلف تلاوينها على خط النار في تفكيك ومواجهة وتجفيف هذه الخلايا الإرهابية، نجد المؤسسات العمومية الأخرى الموكول لها حماية الأمن العام بالمغرب لاتسير بنفس الإيقاع وبنفس السرعة وأقصد المجالس العلمية ووزارة الأوقاف وباقي الوزارات الأخرى المعنية بالموضوع.
التحرش الثاني ويتعلق بالضغط على مستوى الوسائط الاجتماعية، لأنه لايمكن لي كصحفي أن أعيش في مجتمع بدون وسائط وأقصد الجمعيات، الأحزاب، النقابات..ويحلو لي دائما لما أكون مع أصدقائي أن أقول أن شرط وجود أي صحفي في العالم هو العيش في مجتمع دينامي حي فيه تدافع مدني ، وأشبه دور الصحفي بذاك الطائر مع التمساح، فالتمساح بقوة فكه وبشراسته لايمكنه أن يستمر في العيش لو لم يكن هناك طائر صغير. لماذا ؟ لأن التمساح لما يلتهم فريسته يخرج الى ضفة الواد ويفتح فمه فيأتي طائر صغير لتنقية أسنانه، فالطائر الصغير يقتات عمليا، ولكنه بطريقة مباشرة ينظف أسنان التمساح، لأن الله سبحانه وتعالى وضع هذا التكامل لضمان توازن أيكولوجي. وبالتالي فاذا لم يفتح التمساح فمه ولم يقم الطائر بتنظيف أسنانه ستساقط أسنانه و لن تصبح للتمساح تلك القوة وذاك السلاح الفتاك. تأسيسا على هذا المثال فبالنسبة لي الصحفي هو ذاك الطائر، والتمساح هي الأحزاب والنقابات والجمعيات. فإذن أنا لما أضغط على الأحزاب والجمعيات والنقابات، فعمليا كي أضمن حقي في الوجود، لأنه بدون ذاك التمساح لايمكنني العيش مثل ذاك الطائر، ولهذا فهذا التحرش الثاني نمارسه على هذه الوسائط الإجتماعية حتى تكون حاضرة في الساحة على مستوى التأطير والإنتباه الى هموم وانتظارات الناس .
التحرش الثالث، نمارسه على مستوى الخارج، إذ علينا أن لا ننسى أنه لدينا 5 ملايين من المغاربة بدول المهجر، وشرور الإرهاب جاءتنا بالدرجة الأولى من أوروبا. لماذا ؟ لأنه لدينا 5 ملايين من المغاربة بالخارج أي ما يعادل 6/1 من السكان وهذه الكثلة البشرية جاءت من اوربا أغلب الشرور،ومنها الظاهرة الإرهابية خاصة على مستوى الشريط الممتد من بروكسيل إلى مدريد. وبالتالي لما أضغط كصحفي، أضغط على السلطة العمومية المغربية على المؤسسات التمثيلية وعلى الأحزاب، فلكي أدفعها في اتجاه فتح جسور اللقاء وجسور النقاش مع سلطات تلك البلدان من أجل تأطير أولئك المغاربة هناك، ومن أجل أن نتفاهم بخصوص أي نوع من التدين يجب أن يسري في أوروبا: هل التدين الإيراني؟ هل التدين السعودي؟ هل التدين المغربي؟ هل التدين الجهادي؟.. وأنا كمغربي مادامت تربطني أواصر المواطنة مع 5 ملايين مغربي بالخارج، فمن حقي أن أسائل الدولة في أن توفر لي الأمن والآمان حتى أطمئن على سلامة ما يجري بالنسبة للمغاربة الموجودين في البلدان الأوروبية.
هذه التحرشات الثلاثة هي المؤطرة في كل الأعمال التي تحكمنا كصحفيين في “الوطن الآن“ و“أنفاس بريس“ عن طريق الرصد والمتابعة، وعن طريق الإفتتاحية وعن طريق الحوارات الصحفية، إلخ...”
ملحوظة:
هذا النص هو محور العرض الذي قدمته في مدينة مرتيل يوم 10 نونبر 2016




