mercredi 29 avril 2026
جالية

محمد هرار: إشكالية المشاركة السياسية للمسلمين في الدنمارك في ظل التحولات التشريعية

fa43adde-9237-4fa7-a4a0-0dceb2578eab.png
محمد هرار: إشكالية المشاركة السياسية للمسلمين في الدنمارك في ظل التحولات التشريعية محمد هرار

تشهد الدنمارك في الآونة الأخيرة تصاعدا في الجدل السياسي والقانوني حول العلاقة بين -حرية التعبير- واحترام المعتقدات الدينية. وقد جاء هذا الجدل بعد حوادث حرق المصحف الشريف التي أثارت ردود فعل واسعة داخل البلاد وخارجها. وفي محاولة لاحتواء التوتر، أقر البرلمان الدنماركي في ديسمبر 2023 قانونا يجرم «المعاملة غير اللائقة للنصوص الدينية في الفضاء العام»، وهو ما اعتبره كثير من المسلمين خطوة للحد من الاستفزازات التي تمس مقدساتهم في الفضاء العام.

 

إلا أن هذا القانون لم ينه الجدل التشريعي، بل فتح الباب أمام صراع سياسي جديد. ومع استمرار حالة الاستقطاب، برزت مساعٍ من أحزاب محسوبة على اليمين المتطرف لتقديم مشروع قانون يهدف إلى إلغاء الفقرة التي تجرم ازدراء الأديان، بعد أن كانت قد أُلغيت سابقا ثم أُعيد العمل بها قبل عامين. وتعكس هذه الخطوة تمسك هذه التيارات برؤية أكثر تشددا -لحرية التعبير- حتى في صورتها التي تسمح بالإساءة إلى الرموز الدينية. وفي هذا السياق، أعلنت أحزاب أخرى، من بينها Enhedslisten وAlternativet، دعمها لهذا التوجه، ليس انطلاقا من الخلفية السياسية نفسها، بل من منطلقات مختلفة ترتبط بانتقادها للقانون، واعتباره غامضا وغير فعال، وقد يؤدي إلى تقييد -الحريات -.

 

هذا التقاطع بين أطراف متباعدة أيديولوجيا يكشف طبيعة المشهد السياسي في الدنمارك، حيث قد تلتقي قوى من اليمين المتطرف مع أحزاب يسارية أو تقدمية حول موقف معين رغم اختلاف الدوافع. فبينما يسعى اليمين إلى توسيع هامش-التعبير-، حتى في صوره الصدامية، ترى بعض الأحزاب اليسارية أن سن قوانين تتعلق بازدراء الأديان قد يفتح الباب لتقييد -حرية التعبير- بشكل عام، وهو ما ترفضه من حيث المبدأ.

 

وتأتي هذه التطورات في سياق مرحلة سياسية غير مستقرة نسبيا، خاصة بعد الانتخابات الأخيرة 2026 والتي لم تفضِ إلى تشكيل حكومة واضحة حتى الآن، ما يعكس طبيعة النظام البرلماني القائم على التفاوض المستمر وتبدل التحالفات. وفي هذا السياق، لا تكون المواقف السياسية ثابتة أو مرتبطة مباشرة بدعم فئة انتخابية بعينها، بل تتشكل وفق توازنات معقدة تجمع بين الأيديولوجيا والضغوط السياسية والاعتبارات الاستراتيجية.

 

وبالنسبة للجالية المسلمة، التي شاركت بفعالية ملحوظة في العملية الانتخابية الأخيرة، تطرح هذه التحولات تساؤلات مشروعة حول العلاقة بين السلوك الانتخابي والنتائج السياسية. فالدعم الذي مُنح لبعض الأحزاب لم ينعكس بالضرورة في مواقف متسقة مع أولويات هذه الجالية، خاصة فيما يتعلق بحماية المقدسات الدينية. ومع ذلك، فإن تفسير هذا الواقع باعتباره "تنكّرًا" أو "خذلانًا" قد لا يعكس الصورة الكاملة؛ إذ ان الأحزاب التي تدعم إلغاء القانون تنطلق من رؤى مبدئية مختلفة، ترى في -حرية التعبير- قيمة أساسية لا ينبغي تقييدها، حتى في الحالات المثيرة للجدل.

 

وما يبرز من هذه الحالة هو فجوة واضحة بين توقعات جزء من الناخبين وأولويات الفاعلين السياسيين، وهي فجوة تتكرر في العديد من الديمقراطيات عندما تتقاطع القيم الثقافية مع المبادئ الليبرالية. كما تكشف هذه التطورات أن السياسة لا تقوم على تحالفات ثابتة أو التزامات دائمة، بل على توازنات متغيرة قد تجمع بين أطراف متباينة حول قضية محددة، ثم تفرّقهم في قضايا أخرى.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو المشاركة السياسية خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى أن تستكمل بوعي أعمق بطبيعة البرامج الحزبية، ومتابعة مستمرة للمواقف داخل البرلمان، وفهم ديناميات التحالفات التي قد تتغير من قضية إلى أخرى. فالتجربة الحالية في الدنمارك توضح أن الحضور الانتخابي، رغم أهميته، لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج محددة، ما لم يرافقه إدراك لطبيعة العملية السياسية وتعقيداتها.

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg