استغرب أيما استغراب كيف أن أهم متغير لى الإطلاق في الانتخابات المقبلة،وهو متغير نسبة المشاركة، غائب أو يكاد من النقاش العمومي داخل التنظيمات السياسية،وكل المؤسسات الأخرى المعنية بالعملية الانتخابية وكأنه مفروغ منه أو بديهي أو تحصيل حاصل. والحال أنه سيكون، وفق المؤشرات الدالة و البارزة والمتداولة في أحاديث الناس، المحدد الأول في تكييف النتائج، والأهم من ذلك في الحكم العام والتقييم العام للمسار السياسي في البلاد.
تمتلئ ساحة النقاش العمومية الآن،ونحن على بعد من خمسة أشهر على يوم الاقتراع وعلى أقل منها على انطلاق الحملة الانتخابية، بتداول الأخبار عن التزكيات و الترحال والدوائر الصعبة وتوقعات الخريطة الحكومية المقبلة والتوازنات الدقيقة بين مكونات الائتلاف الحالي وآفاق استمراره، لكن المعادلة الأساسية، معادلة نسبة المشاركة تبقى غائبة أو مغيبة، مع أنها المقياس الحاسم على العلاقة بين الاهتمامات العامة والانتخابات العامة. ومدى الشعور الجماهيري العام بالعلاقة بين السياسة والاقتصاد والمعيش اليومي والنظرة المجتمعية إلى عمل النخبة ودورها.
اذكر من ذكريات السياسة خلال حضوري لأول مرة مؤتمر حزب العمال البريطاني كزائر سنة 1998 بمانشستر، ممثلا وقتها للاتحاد الاشتراكي، كان أول سؤال طرح علينا في جلسة تعارف مندوبي الاحزاب المدعوة هو بالذات ما هي نسبة المشاركة Turn out في بلادكم في الانتخابات .
لم أفهم وقتها بما يكفي من الشمول والاحاطة كيف يتصدر هذا السؤال ويسبق كل الأسئلة الأخرى في تقييم واقع السياسة وديناميتها وأفقها الديموقراطي ووضعية الثقة في مساراتها وفي النخب المتنافسة.
طبعا مع توالي المواسم الانتخابية وتموجات نسب المشاركة والدليل الذي تقدمه على مدى الالتزام والانخراط والاهتمام والثقة الجماهيرية في المسلسل الانتخابي صرت أكثر وعيا بالحيثيات التي تجعل نسبة المشاركة بيت القصيد وإشارة الصلابة في العملية السياسية برمتها .
فهل نشهد نقاشا بخصوص هذا المتغير الحاسم؟ وهل من تصورات محينة لهذا الموضوع الصعب والشائك والذي يجعل كل الترتيبات والمساطر الإجراءات غير ذي فائدة لحد الآن في التأثير على وتيرته. ؟؟
وهل يمكن أن نأمل ارتفاعا ملموسا في نسبة المشاركة تعيد للسياسة مصداقيتها وتجعل النخب الفاعلة مندمجة في مساراتها بالكامل ؟؟



