بين الواحات وتربية الماشية والزراعات المتنوعة، تعرض جهة الشرق، في الدورة الـ 18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، الذي تحتضنه مدينة مكناس، فلاحة متعددة الأوجه تعكس غنى المنطقة بالموارد، وانخراطها في دينامية للتثمين والتحويل.
ففي أروقة قطب "الجهات"، يثير رواق جهة الشرق الانتباه بتنوع المنتوجات المعروضة وتناسق القصة التي يرويها. ومن فضاء إلى آخر، تتضح معالم فلاحة متعددة، تتعايش فيها الإنتاجات النباتية وتربية الماشية والمهارات المحلية، مما يبرز غنى وتفرد جهة غالبا ما لا ت عرف بكل امتداداتها.
وتعكس الحوامض والبطاطس والمنتوجات المجالية المعتمدة، وكذا الزراعات الجديدة في طور الغرس، على غرار الفواكه الحمراء، إرادة في التنويع التدريجي، استجابة للتحولات المناخية والاقتصادية. ويضاف إلى ذلك تراث واحات فجيج، الذي يضفي على الجهة هوية فلاحية خاصة تمزج بين التقاليد والتكيف.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أوضح كمال مسعودي، رئيس قسم بالمديرية الجهوية للفلاحة بجهة الشرق، أن "مشاركة جهة الشرق تهدف إلى إبراز المؤهلات الفلاحية الهامة وتنوع الإنتاج الذي تزخر به".
وفي هذا الصدد، أبرز مسعودي أن هذه المشاركة تشكل أيضا فرصة لتقديم حصيلة تقدم تنزيل استراتيجية "الجيل الأخضر" على مستوى الجهة، لاسيما من خلال معطيات رقمية تهم مختلف السلاسل الفلاحية، لاسيما تلك المتعلقة بالإنتاج الحيواني.
كما سلط المسؤول الجهوي، الضوء على حرص الجهة على تثمين منتوجاتها الفلاحية ودعم الهيئات المهنية الفلاحية.
وبعيدا عن هذا التنوع، تحتل تربية الماشية مكانة مهيكلة في المشهد الفلاحي الجهوي. إذ تشكل السلاسل الحيوانية، لاسيما الأغنام والماعز، ركيزة للاقتصاد في المجال القروي، من خلال ضمان مداخيل منتظمة لآلاف المربين.
وهكذا، تحظى جهة الشرق باعتراف على الصعيد الوطني ببعض الإنتاجات التي لها رمزية كبيرة، على غرار لحوم أغنام "بني كيل"، التي تجسد خبرة متجذرة في هذه المجالات الترابية.
وتعزز المعطيات المقدمة في رواق الجهة هذا الواقع، فبقطيع يناهز 2,6 مليون رأس تم إحصاؤه سنة 2025، ونسبة تتبع (ترقيم) تبلغ حوالي 99 في المائة، تسجل الجهة مستوى متقدما من تنظيم القطاع، مما يعكس الجهود المبذولة في إطار استراتيجية "الجيل الأخضر".
وتخفي هذه الأرقام واقعا أعمق. ويتعلق الأمر بدينامية بشرية تتجلى بوضوح. ففي قطب "المنتوجات المجالية" تروي تعاونيات جهة الشرق، كل واحدة بطريقتها، قصة تثمين وصمود، إذ تشارك ما لا يقل عن 39 تعاونية في الملتقى، لتقدم باقة من المنتوجات تعكس تنوع التراث المحلي.
كما سيتم تنظيم زيارات مهنية لفائدة 775 فلاحا ومربيا للماشية بالجهة، وذلك بهدف تعزيز تبادل التجارب، واكتشاف أحدث الابتكارات الفلاحية، وكذا تقوية قدراتهم التقنية.
وعلاوة على ذلك، تشارك جهة الشرق في مختلف المسابقات المنظمة في إطار الملتقى، لاسيما تلك المتعلقة بأفضل المنتوجات وأفضل وحدات الإنتاج، مما يترجم إرادتها المستمرة للتميز من خلال الجودة والابتكار.
وفي هذا المشهد الديناميكي، تحتل التعاونيات الجهوية مكانة مركزية، على غرار التعاونية الفلاحية "الجودة"، التي تجسد هذا الجيل الجديد من المبادرات بالمجال القروي. وتضم هذه التعاونية، التي تأسست سنة 2015، حوالي 28 عضوا، من بينهم 11 امرأة، كما تندرج ضمن مقاربة تحترم البيئة.
وفي رواق هذه التعاونية الفلاحية، حيث يكتشف الزوار زيت زيتون بكر ممتاز مستخلص من العصرة الأولى على البارد، يتم إنتاجها في احترام تام للتوازنات الطبيعية، صرح محمد أحداد، رئيس التعاونية قائلا "نستخدم منتوجات غير مضرة بالأرض".
وفي إطار ترشيد الموارد، تعمل التعاونية أيضا على تثمين مخلفات الإنتاج لصنع وقود مخصص للتدفئة، وهو مثال ملموس للاقتصاد الدائري، الذي يجسد قدرة الفاعلين المحليين على التكيف.
وبالنسبة لأحداد، يشكل الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب أكثر من مجرد فضاء للعرض، وقال في هذا الصدد "يمنحنا هذا المعرض دينامية جيدة للمضي قدما وبذل المزيد من الجهود"، مبرزا أهمية هذه الواجهة في تعزيز إشعاع التعاونيات وتوطيد منافذ تسويقها.
ومن خلال هذا الحضور، لا تكتفي جهة الشرق بعرض منتوجاتها فحسب، بل تقدم قراءة شاملة للفلاحة بالمنطقة، قائمة على تكامل السلاسل، وتثمين الموارد المحلية، ومواكبة الفاعلين الميدانيين.
وفي سياق يتسم بالتحديات المناخية ورهانات الأمن الغذائي، تبرز هذه المقاربة المندمجة كرافعة أساسية لتعزيز صمود المجالات الترابية ودعم تنمية قروية مستدامة.
وهكذا، تبدو جهة الشرق، متسلحة بمؤهلاتها وتعبئة فاعليها، عازمة على إدراج فلاحتها في مسار تحول متحكم فيه، خدمة لنموذج أكثر تنوعا وشمولية واستدامة.





