في مختبرات الفيزياء التنفيذية الإدارية المغربية، غدا الزمن خطا غير مستقيم.. بدل أ يتجه نحو المستقبل، صار حلقة مفرغة يدور فيها المسؤولون حول أنفسهم ببراعة تثير الدهشة.
نحن نودع النصف الأول من عام 2026، لكن الوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، تفتقت عبقربة بابتاس أن تفتح "صندوق العجب"، حيث فتنة الأرقام والأوهام، ولا أثر ولا آمال، لتخرج لنا تقرير الشراكة بين الدولة والجمعيات برسم سنة 2024... والدولة براء من هذا الادعاء...
فهذا المشهد العجائبي انطلق بكرنفال خطابي في بني ملال يومي 17 و18 أبريل، وانتهى ب" موسم ورقي" في مدرج السويسي بالرباط يوم 21 أبريل، ولا يمكن وصفه إلا بكونه محاولة فاشلة لتحنيط الواقع وتجميله بصبغة "الدينامية" و"الرهانات"....
يأالله....أرهقونا بهذه المصطلحات... تمكين ولا أثر... شراكة ركاكة، تعزيز كأنه تأبيد للهشاشة المدنية، تقوية وحكامة... ولا شفافية ولا عدالة ولا هم يحزنون... تتحدث التقارير... وتصمت المشاريع في غياب القياس بالأثر.
تقديم أرقام تعود لعامين مضيا في عام 2026 اعتراف صريح بأن وزارة بايتاس ماتزال تعيش في "غيبوبة زمنية"، حيث تطبخ التقارير ببطء شديد يقتل أي قدرة على قياس الأثر أو تصحيح المسار، وكأن الهدف هو "التوثيق من أجل الأرشفة" وليس "التحليل من أجل التنمية".
الملصق الإعلاني الذي تصدر المشهد، بألوانه الزرقاء الباردة ورسومه البيانية التي تشبه مؤشرات البورصة، يحاول إقناعنا بأننا بصدد "ثورة إدارية"، لكن الحقيقة المرة تكمن في أن هذا "الملصق النرجسي" هو الغلاف الجميل لمنتج منتهي الصلاحية. لنعد إلى محطة بني ملال، فتحت غمامة "المنتدى الوطني السابع" وبشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، تم استدعاء ما وصفوه انتقاء المجتمع المدني ليشهد على "نجاحاته" المفترضة في عام 2024. إن اللجوء إلى المؤسسات الدولية لتأثيث هذه اللقاءات أصبح بمثابة "التوابل" الضرورية لإعطاء طعم "الحداثة" للتدبير المحلي الغارق في التقليدانية والبيروقراطية. في "معرض التجارب"، تم عرض الصور والكتيبات، وتبادل الفاعلون الابتسامات أمام الكاميرات، في طقس احتفالي يكرس مفهوم "الواجهة" الذي يبرع فيه القائمون على الشأن الجمعوي... والصورة أهم من المنجز، واللقاء أهم من النتيجة... لا أثر يقاس...
وعندما ننتقل إلى الرباط، وتحديدا إلى مدرج عبد الرزاق مولاي رشيد، تكتمل الكوميديا السوداء بكلمات الوزير مصطفى بايتاس التي تتحدث عن "الإرادة المؤسساتية الراسخة"...
إن لغة "التثمين" و"التعزيز" و"الملاءمة" التي يفيض بها البلاغ الصحفي هي لغة "كليشيات لغوية " يتناوب عليها المهدي بنسعيد وبرادة وبايتاس ... وتهدف مع الأسف إلى تغطية حقيقة مفزعة: وهي أن استراتيجية "نسيج 2022-2026" التي تتباها بها وزارة بايتاس وصلت إلى نهايتها الزمنية دون أن تخرج الجمعيات من عنق زجاجة التبعية والتمويل الهش.
بايتاس تحدث في عام 2026 عن "إعداد إطار تنظيمي جديد"، وهو ما يطرح سؤالا مستفزا: ماذا كانت تفعل الوزارة طوال الأربع سنوات الماضية إذا كانت لا تزال في مرحلة "الإعداد" في السنة الأخيرة من عمر استراتيجيتها؟ يبدو أن "النسيج" الذي وعدوا به لم يكن إلا حلما في الكرى.
الأرقام التي تم ضخها في التقرير المتأخر تبدو مرعبة بضخامتها، حيث نتحدث عن أكثر من 5.6 مليار درهم، لكن بمجرد تقسيم هذا المبلغ على 17 ألف جمعية مستفيدة، نكتشف أننا أمام "صدقات إدارية" لا تغني ولا تسمن من جوع... كفضيحة دعم مشاريع الجمعيات بأسلوب بنسعيد...
إن توزيع مبالغ ضخمة على عدد هائل من الجمعيات هو الوصفة السحرية لقتل "الأثر" وضمان "الولاء". هذه الأموال التي تصرف تحت مسمى "دعم المشاريع" تتحول في الغالب إلى مصاريف تسيير أو "أنشطة إشعاعية" لا تترك أثرا في حياة المواطن. إن وجود 12.830 اتفاقية شراكة هو في الحقيقة رقم يدين الإدارة ولا يزكيها، لأنه يعني وجود 12 ألف "رق" بيروقراطي يجعل العمل الجمعوي مجرد صدى لقرارات المكاتب المركزية، ويحول الفاعل الجمعوي من "فاعل ميداني" إلى "محرر تقارير" يبحث عن رضا صاحب القرار العمومي ليضمن بقاء جمعيته على قيد الحياة المالية.
وبينما تغرق الوزارة في الاحتفاء ب "الدعم العيني" و"تقوية القدرات" الذي التهم ملايين الدراهم، تبرز التجارب الدولية كمرآة كاشفة لهذا التخلف الإداري...
لننعش ثقافة بايتاس عله يطلع على التجارب الدولية دون إنفاق في موضة المنتديات... من برادة إلى بنسعيد وبايتاس مول اللسان الغريد...
ففي بريطانيا، الشراكة لم تعد "موضوعا" لندوة تواصلية في كلية حقوق، بل هي "هندسة اجتماعية" تعتمد على " سند الأثر الاجتماعي"، حيث يرتبط كل درهم يصرف بنتيجة ملموسة يتم قياسها بواسطة جهات مستقلة. هناك، لا توجد "منح موسمية" بل توجد "استثمارات اجتماعية". وفي إستونيا، حيث تسير الإدارة بسرعة الضوء الرقمي، لا يحتاج الفاعل الجمعوي لانتظار تقرير يصدر بعد عامين، لأن كل درهم يصرف متاح للعموم في الوقت الحقيقي عبر منصات رقمية شفافة. المجتمع المدني هناك شريك في "التصميم" وليس مجرد "كومبارس" في ندوة تقديم تقارير متأخرة. أما في كندا، فإن "عقود الأهداف" تمنح الجمعيات استقلالية تجعلها قوة اقتراحية حقيقية، لا مجرد "ملحق" إداري يسبح بحمد الوزارة المانحة.
المفارقة الكبرى في لقاء السويسي تكمن في الحديث عن "تحدي التمويل" كأحد أبرز الرهانات، بينما الحقيقة أن التحدي الحقيقي هو "تحدي العقلية". الإدارة المغربية لا تزال ترى في الجمعيات "قاصرا"... يحتاج إلى وصاية، وترى في المال العام "أداة لضبط المشهد" وليس وسيلة لتحقيق التنمية. إن غياب "ربط التمويل بمنطق النتائج" الذي يدعيه الوزير يظهر جليا في غياب أي دراسة أثر حقيقية ترافق هذه المليارات الخمسة. كم من هذه الأموال ذهبت فعليا لجيوب الفقراء أو لتحسين جودة التعليم في القرى؟ وكم منها ضاع في متاهات "الوجبات الفاخرة" و"تجهيز المكاتب" و"ندوات تبادل التجارب" التي لا تنتهي؟ إن الإصرار على "توحيد المساطر" و"تعزيز الشفافية" في الخطابات الرسمية يقابله في الواقع نظام "ريع جمعوي" يستفيد منه من يتقن لغة "التقارير الأدبية" المنمقة، والعلاقات المقربة لا من يشتغل في الطين والجبال وفي الوحل والأحياء.
إن ما نراه في "ملصق" اللقاء وما نقرأه في البلاغ الصحفي هو "حديقة حساب" لزمن ميت... فتقديم تقرير 2024 في عام 2026 هو إهانة لذكاء الفاعلين الجمعويين، وتجسيد لسياسة "تزويق الواجهة" التي تحاول إخفاء الفشل في ابتكار حلول حقيقية لمشاكل الفقر والتهميش والتنمية المحلية. الشراكة الحقيقية لا تحتاج إلى "منتديات وطنية" بميزانيات باهظة لتثمين المكتسبات، بل تحتاج إلى جرأة سياسية لقطع حبل السرة بين الإدارة والجمعيات، وتحويل المنح إلى "عقود نجاعة" تخضع للمحاسبة الشعبية قبل الإدارية. وإلى أن نصل إلى تلك المرحلة، ستبقى لقاءات الوزارة ... كما متديات برادة، ومناظرات بنسعيد، وندوات بايتاس
مجرد "سوق للأوهام" تعرض فيه أرقام الماضي لبيع وعود المستقبل، في دورة لا تنتهي من العبث الذي يجعل من "تعزيز الشراكة" شعارا للجمود وليس محركا للتغيير.
يبدو أن الوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان قد نجحت فعلا في شيء واحد: وهو إقناعنا بأن "الشراكة" في المغرب هي كائن أسطوري يعيش فقط في التقارير المتأخرة والندوات الكرنفالية. إن المليارات التي يتحدث عنها التقرير هي في الحقيقة ثمن باهظ ل "الصمت التنموي"، بينما تظل الحاجة ماسة إلى مجتمع مدني قوي لا يحتاج لوزير يثمن أدواره، بل يحتاج فاعل تنفيذي يحترم استقلاليته ويتوقف عن معاملته ك "ديكور" في ملصقاتها الدعائية. إن زمن "التقارير المحنطة" يجب أن ينتهي، لأن واقع 2026 لا يمكن أن يقاد بمؤشرات 2024، ولأن "النسيج" الذي تآكل قبل أن يكتمل بناؤه لا يصلح لستر عورات فشل تدبيري يقدس الورق وينسى البشر.
خالد أخازي: كاتب وإعلامي





