samedi 25 avril 2026
كتاب الرأي

الصادق أحمد العثماني: من الدعوة إلى التنمر والسخرية.. أزمة الخطاب الإسلامي في عالم المنصات الرقمية

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
الصادق أحمد العثماني: من الدعوة إلى التنمر والسخرية.. أزمة الخطاب الإسلامي في عالم المنصات الرقمية الصادق أحمد العثماني

لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة تواصل عابرة، بل أصبح امتدادًا حقيقيًا للوجود الإنساني، تتشكل فيه القيم، وتُبنى فيه التصورات، وتُخاض فيه معارك المعنى والهوية. غير أن هذا الامتداد، بدل أن يكون مجالًا للتعارف والتراحم كما أراد له الإسلام، تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع لفظي، يتجلى فيه التنمر والسخرية والاستهزاء بأبشع صوره، خصوصًا في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يفترض أن يكون الخطاب منضبطًا بقيم الدين وأخلاقه.
إن خطورة التنمر الرقمي لا تكمن فقط في كونه اعتداءً لفظيًا عابرًا، بل في كونه ممارسة تُحدث تصدعات عميقة في البناء النفسي والاجتماعي للفرد، وتُسهم في تفكيك النسيج القيمي للمجتمع. فالكلمة في المنظور الإسلامي ليست مجرد صوت عابر، بل هي فعل أخلاقي له تبعاته في الدنيا والآخرة، وقد جعلها القرآن معيارًا للإيمان أو النفاق، وميزانًا للرقي أو الانحطاط. يقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وهي آية تؤسس لرقابة ذاتية دائمة، تغيب اليوم في كثير من الممارسات الرقمية التي تتسم بالتسرع والاستهانة.
كما أن الوحي وضع حدودًا واضحة تمنع السخرية والاستهزاء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ...﴾، وهي قاعدة أخلاقية تهدم منطق الاستعلاء الذي يقوم عليه التنمر. ويعزز ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، حيث يجعل من إيذاء الآخر إيذاءً للذات الجماعية، في إشارة إلى وحدة المجتمع وترابطه. بل إن الأمر يتجاوز النهي إلى التوجيه الإيجابي، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وهو توجيه يؤسس لخطاب قائم على اللطف والاحترام.
غير أن ما نشهده اليوم هو انفلات خطير في استعمال الكلمة، حيث تُستعمل للسخرية، والتشهير، والتحقير، وكأنها سلاح بلا ضابط. ويزداد الأمر خطورة حين يتسرب هذا السلوك إلى دوائر كان يُفترض فيها أن تكون حارسة للقيم، كالدعاة والمشايخ والأساتذة الجامعيين. وهنا تتحول المشكلة من مجرد انحراف فردي إلى أزمة في النموذج والقدوة. فإذا سقط الخطاب في فخ الاستهزاء، فقدَ قدرته على الإقناع والتأثير، وتحول إلى عامل نفور بدل أن يكون وسيلة هداية.
وقد حذر النبي ﷺ من خطورة الكلمة أشد التحذير، فقال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم"، وهو حديث يعكس خطورة الاستهانة بالكلام، خاصة في زمن تُنشر فيه الكلمات بضغطة زر. كما قال ﷺ: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، والتحقير هو جوهر التنمر، سواء جاء في صورة سخرية مباشرة أو تعليقات لاذعة. وفي توجيه جامع، قال ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، وهو مبدأ لو طُبّق في الفضاء الرقمي لاختفى قدر كبير من هذا الانفلات.
ومن زاوية فلسفية، يعكس التنمر الرقمي أزمة في مفهوم الذات والآخر، حيث يُختزل الإنسان في صورة أو رأي أو خطأ، ويُجرّد من كرامته الإنسانية. وهذا يتناقض مع الرؤية الإسلامية التي تقوم على تكريم الإنسان لذاته، لا لما يقدمه فقط. كما أن البيئة الرقمية، بما توفره من غياب المواجهة المباشرة، تخلق نوعًا من “الجرأة الزائفة” التي تدفع الأفراد إلى تجاوز الحدود الأخلاقية.
أما اجتماعيًا، فإن انتشار هذا السلوك يُنتج بيئة مشحونة بالتوتر، تُضعف الثقة بين الأفراد، وتُشجع على الانقسام. وبدل أن تكون مواقع التواصل مجالًا للحوار، تتحول إلى ساحات للتناحر، تُختزل فيها القضايا في ردود ساخرة وتعليقات جارحة. ومع الوقت، يتشكل وعي جمعي يُطبع مع هذه الممارسات، ويعتبرها أمرًا عاديًا.
وفي السياق الإسلامي، تمس هذه الظاهرة مصداقية الخطاب الديني نفسه. فحين يرى الشباب أن من يتحدث باسم الدين لا يلتزم بأخلاقياته، فإن ذلك يخلق فجوة بين القول والعمل، ويؤدي إلى فقدان الثقة. وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية: أزمة تمثيل القيم، لا مجرد فهمها.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة تشاركية شاملة، تبدأ بإعادة بناء الوعي التربوي. فلا بد من ترسيخ قيمة “أدب الكلمة” في المناهج التعليمية، وتعليم الأجيال أن ما يُكتب في الفضاء الرقمي هو مسؤولية أخلاقية ودينية. كما يجب على المؤسسات الدينية أن تعيد صياغة خطابها، ليكون أكثر انسجامًا مع مقاصد الشريعة في الرحمة والعدل.
ومن الضروري أيضًا أن تقدم النخب نماذج بديلة في إدارة الاختلاف، تُظهر أن النقد يمكن أن يكون راقيًا دون أن يكون جارحًا. فالمشكلة ليست في الخلاف، بل في أسلوب التعبير عنه. كما أن التوعية بمخاطر التنمر الرقمي يجب أن تشمل مختلف الفاعلين، مع التأكيد على أن حرية التعبير لا تعني حرية الإيذاء.
وفي العمق، فإن هذه الظاهرة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نجحنا في نقل القيم الإسلامية إلى العصر الرقمي، أم أننا تركناها خلفنا؟ إن الجواب يتجلى في سلوكنا اليومي، في كلماتنا وتعليقاتنا، في طريقة تعاملنا مع من نختلف معهم.
وفي الختام ، يبقى الفضاء الرقمي فرصة كما هو خطر، ويبقى الإنسان هو المسؤول عن توجيهه. فإن أحسن استعمال الكلمة، كانت نورًا وهداية، وإن أساء، كانت جرحًا وفتنة. وبين هذا وذاك، يتحدد موقعنا الأخلاقي، وتتجلى حقيقة التزامنا بالقيم التي نؤمن بها.

 

الصادق أحمد العثماني 
أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

fa43adde-9237-4fa7-a4a0-0dceb2578eab.png

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg