lundi 13 avril 2026
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: كلمة "حَشَاكْ" في أحاديث الناس، المتداولة

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
أحمد الحطاب: كلمة "حَشَاكْ" في أحاديث الناس، المتداولة أحمد الحطاب

متى يستعمل الناسُ كلمة "حشاك"؟. يستعمِلُها الناس عندما يخوضون في حديث مُدرجَةٌ فيه كلمتا "حمار" و"كلب". واستِعمالُهما هذا له دلالة، أي أن الشخص الذي يستَعمِل كلمتي "حمار" و"كلب" في حديثه، يبدو وكأنه مُحرَجٌ في النُّطقِ بهما. بل إنه يلتمِس العذرَ من السامع لاستعمالِه هاتين الكلمتين. واعتذارُه هذا بذكرِه لكلمة "حشاك"، يبدو وكأنه يريد أن يقولَ للسامِع "شرَّف الله قدرَك" أو "رفع شأنَك" أو سامحني إذا نطقتُ بهاتين الكلمتين في حضورِك. وهنا يُطرح سؤال من الأهمِّية بمكان: "لماذا يَستعمل الناس كلمةَ "حشاك" عندما يتحدثون مع الآخرين عن "الحمار" و "الكلب"؟

 

قبل الجواب على هذا السؤال، دعوني أتحدَّث عن أمورٍ، كثير من الناس يجهلونها أو يعتبرونَها من الأشياء المُتداولة في المجتمع المغربي، فصاروا يقلِّدونها دون أدنى تفكيرٍ أو تحليل. وهذا يعني، بالنسبة للناس الذين لا يزالوا يستعمِلون كلمة "حشاك" في أحاديثهم اليومية، أن هذه الكلمةَ، أي "حشاك" أصبحت مُصنَّفة في الأحكام المُسبقَة les préjugés أو مصنَّفة ضمنَ الأشياء المُنمَّطة les stéréotypes. ومن بين هذه الأحكام المُسبقة أو الأشياء المُنمَّطة، يُقال إن الحميرَ عنيدة têtus وغير ذكية bêtes. أما الكلابُ، فأهم ما يُقال عنها أن وجودَها في المنازل يمنع دخولَ الملائكة إلى هذه المنازل وأنها عُدوانية agressifs. وحسب بعض علماء وفقهاء الدين، الكلب نَجِسٌ impur، من منظورٍ روحي spirituel.

 

وكِلاهما، أي الحمار والكلب يقطعان الصلاة أثناءَ أداءِ الصلاة. بمعنى أن المُصلِّي، إذا كان منهمِكا في أداءِ الصلاةِ، ومرَّ من أمامِه حمارٌ أو كلبٌ أسود، عليه أن يُعيدَ الصلاةَ. الكلب الأسود يُعتَبَر شيطانا. والشيطانُ يوسوِس. والوسوسة تنقص من الخشوع. أما الحمار، فعلماءُ وفقهاءُ الدين اكتفوا بقولهم إنه ينقص من خشوع المُصلِّي.

 

بل أصبحت هذه الأحكام المسبقة والأشياء المُنمَّطة تُعتَبَر بمثابة حقائق des vérités تنتقل من جيلٍ لآخرَ دون أن يتمَّ تشغِيلُ العقل في شأنها. فما هي الأمور التي يجهلُها كثيرٌ من الناس ولها علاقة بالحمار والكلب اللذان، كلما نطق باسمَيهِما الإنسانُ، عليه أن يقولَ لِمَن يسمعه، كلمةَ "حَشَاكْ"؟

فيما يخصُّ هذين الحيوانين، فتساكُنُهما مع الإنسان تضرب جذورُه في أعماق التاريخ.

 

بالنسبة للحمار، هذا التَّساكن تمَّ عن طريق التَّدجين la domestication الذي كان وراءه الإنسان منذ ما يزيد عن 5000 سنة قبل الميلاد. وقد تمَّ هذا التدجين بإفريقيا، وبالضبط، بأفريقيا الشرقية. ومن هذه المناطِق، انتشر بآسيا وأوروبا، وبالأخص، في البلدان الأوروبية المُتوسِّطية.

 

أما الكلبُ، فهو الآخر تم تساكنُه مع الإنسان، عن طريق التَّدجين، لكن هذا التَّدجين أقدم بكثير من تدجين الحمار، إذ يتراوح ما بين 15000 و 40000 سنة قبل الميلاد.  وبعض علماء الآثار les archéologues يعتبرون أن الكلبَ هو أول حيوان تم تدجينُه من طرف الإنسان، انطلاقاً من الذئب الرمادي le loup gris.

 

لكن تدجينَ الإنسان لبعض الحيوانات لم يكن اعتباطياً arbitraire. بل لما فكَّر الإنسانُ في تدجين الحيوانات، فكَّر فيه وله فكرةٌ أو أفكارٌ مُسبقة عن المصالح التي سيجنيها من هذا التدجين. وأول مصلحة سيجنِيها من هذا التَّدجين، هي أنه سيجد، في هذا التّدجين، ضماناً لاستمرار بقائه une garantie de la continuité de sa survie.

 

ناهيك عن المصالح الأخرى كتربية المواشي  وإنتاج المواد الغذائية من لحوم وبيض وحليب، إضافةً إلى حيوانات الجر les animaux de trait، المُستعمَلة في الزراعة والسقي وحيوانات الركوب les montures المستعملة في النقل والتنقُّل أو حيوانات الحراسة والقنص… إذن تدجين الحيوانات من طرف الإنسان له غايات كثيرة.

 

أما الخدمات التي يُقدِّمها الحمار للإنسان كثيرة، أذكر من بينها، ما يلي : حملُ الأثقال (سِلع، ماء، محاصيل زراعية، خشب…) من مكان إلى آخر، وخصوصا، في التَّضاريس الصعبة. ومن مزاياه أنه يتعرَّف على المسالك، أي أنه، في استطاعته، أن يحملَ أثقالاً أو سِلعا، من كان إلى آخر، دون حاجة إلى مَن يوجِّهه. كما أنه له فضلٌ على الإنسان في الزراعة ونقل الأشخاص وجر العربات، دون أن ننسى أن أُنثى الحمار تُنتِج حليباً له استعمالات في صناعة التجميل la cosmétique …

 

وخلافا للإشاعات les rumeurs المُنتشِرة بكثرة في المجتمعات البشرية، وخصوصا العربية المسلِمة منها، الحِمار حيوانٌ وديع docile، قادر على العيش رفقةَ الإنسان sociable و وَدود affectueux… وغالباً ما يوصَف بالحيوان الذكي، عوض الحيوان العنيد l'animal têtu. لماذا؟

 

لأن الحمارَ، عندما يكون ماشِياً في طريق ما، فعِنادُه (توقُّفُه عن المشي) راجعٌ إلى إحساسِه بوجود خَطَرٍ ما، أي أن الحمارَ، عندما يُحِسُّ بخطر ما، يأخذ حذَرَه devient prudent، وبالتالي، يتوقَّف عن السَّير. وهذا هو ما جعل كثيراً من الناس يصفونه بـ"العنيد". والحقيقةُ أن ما يراه الناسُ عناداً ما هو إلا لحظة تحليلٍ للخطر وما قد يترتَّب عنه من انعكاسات. وإذا تمادى راكِبُه في إرغامه على السير، فقد يصبح الحمار ، تفادياً للخطر، عدوانيا أو يلجأ للضرب بقائمتيه الخلفيتين أو للعض.

 

أما الكلب، إذا خضع لترويضٍ وتربية/تعلُّم  عميقين، فأفضالُه على الإنسان كثيرة. من بينها، أذكرُ :

1. في مجال تقديم المعونة l'assistance لأصحاب العاهات المُزمِنة أو للأشخاص من ذوي الحاجات الخاصة les personnes handicapées.  وتقديم المعونة يتمثَّل، هنا، في الكلاب المرشدة les chiens guides التي تقود ضِعافَ البصر  les malvoyants أو العُميان les aveugles من مكانٍ إلى آخرَ. كما أن المعونة يمكن أن تتمثَّلَ في فتح الأبواب أو إشعال الضوء…

 

2.وإذا كان الترويض le dressage معمَّقاً، فإن بعض الكلاب قادرة على الإحساس بالأخطار الصحية قبل أن تحدثَ، وذلك بفضل حاسة الشمِّ. فهذه الكلاب قادرة على كشفِ أزمة الصَّرع crise d'épilepsie أو انخفاض نسبة السكر في الدم hypoglycémie، قبل وقوعها.

 

3.وحضورُهم مع الإنسان يخفِض التوتُّرَ  le stress والقلقَ l'anxiété ويحمي من العُزلة la solitude، وبالخصوص، عند الناس المُسنِّين.

 

4.بواسطة حاسة الشمِّ، الكِلاب قادِرة على المساهمة في إنقاذ الناس، عند حدوث الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات…

 

5.ناهيك عن مساهمتِهم في حراسة المنازل  وقطعان الماشية  les troupeaux  de moutons ومساهمتِهم في النمو الاجتماعي-الوِجداني le développement socio-affectif للأطفال واستعمالهم للكشف عن المخدِّرات وعن المتفجِّرات وفي الدفاع عن الأشخاص الذين يملكونَهم وفي الحِفاظ على الأمن…

وهكذا، فإن الحميرَ والكلابَ تقدِّم خدمات مهِمة للإنسان.

 

غير أن الكلبَ، فضلاً عن منافعِه بالنسبة للإنسان، المُشار إليها أعلاه، فإنه معروف بوفائه العاطفي لسيده sa loyauté affective envers son maître، وبقدرته على التكيُّف مع الأوضاع إلى أن أصبح يُعتَبَر واحداً من أفراد العائلة.

 

أما الحمارُ، فهو معروف لدى الإنسان بصبره وقدرته على التَّحمُّل l'endurance، وكما سبق الذكرُ، فإنه حيوانٌ وديع وذكي وخدماتُه المقدَّمة للإنسان، خصوصا، في العالم القروي، مشارٌ إليها أعلاه.

 

السؤال الذي يفرِض نفسَه علينا، هنا، هو : "هل يُعقَل أن حيوانين، أي الحِمار والكلب، يقدمان خدماتٍ مهمة للإنسان الذي اختار، عن طواعية، أن يُدجِّنَهما لتحقيق مصالحِه، أن ينشُرَ، في مجتمع يتَساكَن فيه معهما، ادِّعاءات لا أساس لها من الصحة وأن يقولَ، كلما نطق باسمَيهِما، كلمة "حشاك".

 

فكلمة "حشاك"، في هذه الحالة، غير مبرَّرٍ استعمالُها، على الإطلاق. وإذا استمرَّ استِعمالُها، في المجتمع المغربي ومجتمعات إسلامية أخرى، فالأمر راجع إلى جهلِ ما يتميَّز بهما هذان الحيوانان، وكذلك، الأمرُ راجعٌ إلى الإيمان بالخرافات التي نسجها الناسُ انطلاقا من الأقوال التي كان وراءها علماءُ وفقهاءُ الدين القدامى، وعلى رأسِهم أحمد بن حنبل الذي أضاف إلى الحيوانين المرأة. بمعنى أن المرأةَ، مثلٌها مثل الكلب الأسود والحمار، تقطع الصلاة، إذا مرَّت أمام المصلي.

 

وهنا أتذكَّر لما كنتُ قاطِناً بسَلا بحي السلام، كان يزورني، من حينٍ لآخر، بستاني un jardinier من أجل الاعتناء بالأعشاب والأشجار. كان هذا البستاني لما يحدِّثني عن زوجته (لْمْرا)، يقول "حشاك". حينها، أدركتُ مدى أثر كلام علماء وفقهاء الدين على الناس الجهلة من مثل هذا البستاني الذي، بكل سهولة، صدَّق كلامَهم. بل اعتبره حقيقةً مطلقةً يجب على كل مسلمٍ أن يعملَ بها.

 

والحقيقة، كل الحقيقة، أن علماءَ وفقهاءَ الدين، القدامى والحاليين الذين ساروا على نهجِهم، هم سبب هذه الخرافات التي تنتقل من جيلٍ لآخر، والتي لا يملكون أي دليلٍ يُثبت صحتَها. أليست هذه الخرافات نوعٌ من زرع الفتنة بين الناس. وخصوصا أن هذه الخرافات لم يُشرْ لها، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم، ضمنَ أسباب بطلان الصلاة.

 

والعجيب والغريب في الأمر، أن كلامَ علماء وفقهاء الدين،  فيه كثيرٌ من التناقضات. فإذا كان الكلبُ الأسود مُشبَّهاً بالشيطان، فهذا معناه أن الكلابَ الأخرى، غير السوداء، لا تقطع الصلاة. والكلاب، بصفة خاصة، معروفة عبر التاريخ، بحبها للنظافة. والدليل على ذلك، أنها لا تقضي حاجتَها في المكان الذي تعيش فيه، بل تغطي ما أفرزته من فضلات بالتراب. وإذا كان الحمار يقطع الصلاة، من دون الحيوانات الأخرى، فما بالُك بهذه الحيوانات الأخرى الأليفة؟ إذن، القط والدجاج والحمام والضأن والبقرة… لا يقطعون الصلاة!

 

وما يزيد في الطين بلَّةً، فكيف يفسِّر علماءُ وفقهاء الدين انزعاجَ المصلي لما يمرُّ من أمامِه رجلٌ؟ ولماذا لم يُضِفْ علماء وفقهاء الدين الرجلَ، كقاطعٍ للصلاة، مثله مثل المرأة والكلب الأسود والحمار؟ هل حالياً، الحمير والكلاب السوداء تدخل المساجد؟ وأخيرا، هل الأمر يتعلَّق بالخشوع أثناءَ الصلاة أم بأهواء les caprices علماء وفقهاء الدين؟

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg