lundi 13 avril 2026
كتاب الرأي

كمال عبد اللطيف: حكاية كتاب طعم الكلمات

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
كمال عبد اللطيف: حكاية كتاب طعم الكلمات كمال عبد اللطيف

1- يتعلم الكاتب من تجربته في الكتابة والبحث، أن حدود معرفته بما كتب ويكتب، تتأسس وتتطوّر داخل عملية الكتابة. فعندما يقوم بجمع مواد معينة لِنُدْرِجها ضمن مصنّف أو كتاب، فإنه يكون أمام فعلٍ لا علاقة له بالكتابة ولا بالنصوص المتولِّدة عنها. إن وحدة الكتاب المجموع والمرتّب ضمن فهرس أمامه اليوم، تختلف عن نمط كتابة مواده، ووحدةُ محتوياته تعتبر نظاماً مختلفاً عن مجموع هذه المحتويات، ومختلفة أيضاً، عن الأحاسيس التي رافقت عملية الكتابة، خلال أيام وأشهر كتابته. وحدةُ الكتاب المُقرَّرة اليوم، تحددها الوِجْهة العامة لمجموع نصوصه، لحظة استوائه نصّاً واحداً بعنوان مُحَدَّدٍ.

 

إذا كان التدريب على الكتابة والتَّمَرُّس بقواعدها، يُعَدّ خطوة أساسية في باب الكتابة والبحث، فإن جمع المكتوب وإعادة ترتيبه، داخل وحدة معيّنة وحاملة لعنوان، يُعَدّ بدوره مهمة ثانية، تخضع بدورها لقواعد ومعايير محدّدة. وضمن هذا الأفق، يُرافِق عملية إصدار الكتب، حكايات وعمليات ذهنية ومونولوغات لا تُرْوَى في الأغلب الأعم، حكايات يتم السكوت عنها، وقد ترد بعض نتائجها في مقدمات الكتب دون أن تُعْلَنَ، رغم أنها تمنح الكاتب رصيداً من التجربة، يؤهله لحسن التصرّف باختيار العناوين المناسبة، والمحتويات المناسبة للكتب التي تحمل إسمه.

 

لم تخرج المصنفات التي أنجزت خلال سنوات العمل والكتابة، التي تواصلت أزيد من أربعة عقود، عن أهم الاهتمامات التي شغلت مجال تدريسي في شعبة الفلسفة بكلية الآداب بالرباط، حيث قمت بتدريس الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصر، وانصبّ اهتمامي على بحث ومراجعة نصوص وأسئلة فكر النهضة العربية. وقد جاءت عناوين هذه الكتب، حاملة دلالات تشير إلى أهم القضايا المرتبطة بأسئلة هذا الفكر، أسئلة الحداثة والتحديث في فكرنا المعاصر، كما تناولت جملة من القضايا المرتبطة بكيفيات تَلَقِّي الفكر العربي المُعاصِر، لأهم مفاهيم وأسئلة الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة. ومن بين هذه الكتب، نذكر التأويل والمفارقة (1987)، العرب والحداثة السياسية (1997)، أسئلة النهضة العربية (2002)، أسئلة الحداثة في الفكر العربي (2009)، في الثقافة والسياسة وما بينهما (2020)، درس العروي (2024).

 

تحضر في الأفق الجامع للكتب، التي أشرت إليها على سبيل التمثيل مرجعيات وأسئلة، ويحضر نمط في النظر، تشكّل وتطوّر في إطار مسار في البحث والتدريس، أطرته عمليات التفكير في خطابات النهضة العربية. وتحكمت في عمليات تصوُّره وتركيبه، أشكال من كيفيات تلقّي الثقافة العربية لتيارات الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة. يتسع الموضوع وتتنوّع مرجعياته، كما تتطوّر نتائجه في صوّر العلاقة، التي واكبت نمط ارتباط مباحثها، بالمتغيرات السياسية والفكرية، الحاصلة في المحيط العربي وفي العالم.

 

عندما أتأمل اليوم مختلف تمارين البحث والكتابة والكتب، التي تحمل إسمي، أعرف نمط العلاقة التي تربط مختلف هذه التمارين، بسيرتي ومساري في الكتابة، وأنماط العلاقة التي أواصل بواسطتها فهم وتعقُّل ما يجري في العالم، كما أعرف حدودها وأشكال التطور، التي لَحِقت صوّر هذه العلاقة بالأسئلة والنصوص، التي اعتمدتها في عمليات الاقتراب، من الإنتاج الفكري والسياسي على وجه الخصوص، كما تبلور في فكرنا المعاصر.

 

2- تَرَتّب عن إصابتي بشلل نصفي سنة 2008، ما نتج عنه تدهور في أحوالي الصحية العامة. وقد ترك حدث الإصابة آثاراً واضحة في الأطراف اليمنى من جسدي، إلا أنني حاولت مواجهة ما حصل لي، بطريقة تتيح لي إمكانية تقليص حجم الآثار التي لحقت بجسدي. وقد أدركت وأنا أتأمل جوانب من الوَهَن الذي لحق بي جرّاء تلك الإصابة، أنني أمام تحوّل كبير في حياتي، سيترك آثاره على مختلف أوجُه علاقتي بالعمل والكتابة والتدريس.

 

حرصت على مواصلة البحث عن توازنات نفسية وجسدية، مناسبة لأحوالي الصحية الجديدة، من أجل مواصلة العيش والعمل. وكان حرصي مصحوباً بجرعة تفاؤلٍ، مُعَزِّزَةٍ لمختلف طموحاتي في العمل وفي الحياة، جرعةِ تفاؤلٍ ترتبط بتكويني النفسي العام، كما ترتبط بنظرتي للعالم وللحياة، وتُعَدّ مُحَصِّلة لنمط الوعي الذي استأنست به في حياتي، وقد رسم الشّلل الذي أصاب الأطراف اليمنى في جسدي، منعطفاً جديداً في حياتي، ولم يعد بإمكاني أن أغفل صوّر حضوره، في كل ما يرتبط بحياتي في العمل وفي الكتابة، وفي النظر إلى الحاضر والمستقبل.. ورغم أن الشلل لم يستقر أكثر من أسبوعين، إلا أنه ترك علامات عِلَلٍ بارزة في جسمي، علاماتٍ لازمتني منذ حصوله، ولم يَعُد بإمكاني إلا التعايش معها، دون مركّبات نقص.

 

لم يتمظهر المنعطف الجديد في العِلَل وحدها، بل إنه تمظهر أيضاً، في محاولتي توظيف الكتابة في عمليات مواجهة ما حصل لي، أي تحويل الكتابة إلى وسيلة من وسائل تعقل ما جرى لي، أي محاولة فهمه، والحرص على تدبير تَبِعاته بطرق تساهم في محاصرة الآثار، التي يمكن أن يؤدي إليها.. وحصلت البداية في الأيام الأولى لحصول الشلل النصفي في الأطراف اليمنى، حيث كتبت نصاً بعنوان اليد الأخرى، في مواجع الدماغ المسلّية، كتبته باليد اليسرى.. ومنذ انتهائي من كتابته، أصبحت الإصابة في حياتي حدثاً مسلياً، يُفضي إلى تعيين جديد لتحوّلات مرتبطة بجوانب متعدّدة من صوّر العيش والعمل لا أقل ولا أكثر، مع قليل أو كثير من التسلية.. ذلك أن اليد الأخرى، التي احتلت مكان يدي اليمنى، بدون أن يكون بإمكانها أن تقوم مقامها، أو تنجز ما كانت تقوم به.. لم تعوّض الأولى، بل إن مهامها المعتادة، أضيفت إلى اليد اليسرى..

 

أتذكّر جيداً أنني كتبت نص اليد الأخرى لأنني استعدت بفضل الترويض بعض قدراتي على الوقوف والمشي، لكن يدي اليمنى ظلت في حالة عطالة، وإن ما حصل جعلني أنتبه إلى التغيّر الذي لحق طريقتي في المشي.. فكتبت مقالة ثانية بعنوان هيا بنا نرقص، تحدثت فيها عن رجلي اليمنى، وعن طريقتي الجديدة في المشي، كتبتها دفاعاً عن عشقي للرقص، وكتبتها لأنني انتبهت إلى أن البشر الذين يتحركون في المدن والقرى والأسواق، مشياً على الأقدام يرقصون، وأن ما أصابني حرمني من طقس يومي يمارسه الجميع..

 

لم أتوقف عن الاستماع إلى أصوات ما أصابني من عِلل، وكما واصلت ترويض الأطراف المعتلّة، بهدف حمايتها من الوهن، واصلت الكتابة عن جوانب أخرى من أحوالي بشجاعة وتفاؤل، وتصورت أن الكتابة آلية من آليات العلاج الذاتي. فتوقفت أمام بعض أعطاب النطق عند الكلام، وقد كانت بارزة في الأيام والأشهر الأولى لإصابتي، حيث أصبحت عاجزاً عن النطق ببعض الأحرف والكلمات، فكتبت مقالة ثالثة عنوانها، من يمنعني من فهم لغة الطيور؟ أقنعت نفسي فيها بأن العطب الحاصل في مخارج حروفي منحني لغة جديدة، إنه ليس نقيصة، ذلك أنني أصبحت أملك لغة تؤهلني لمحادثة الطيور والانخراط في حوار معها.. الأمر الذي سمح لي بزيارة الغابة، من أجل الاستماع للطيور والانخراط في حوار معها.. ولم أكتف بذلك، بل أصبحت زيارتي المتواصلة للغابات، تشكّل مناسبة ثمينة للتمتّع بالمواقف الحميمية للطيور محلّقة، وللطيور وهي تقف في أعالي الشجر أمام أعشاشها أو داخلها..

 

3- انصب جانب من اهتمامي بالكتابة في السنوات التي تلت الإصابة، باستخدام الكتابة كآلية من آليات الاستماع للجسد، مناسبة لمراجعة أمور عديدة، مع محاولة لمواجهة مآلات الراهن بعناية، وبكثير من التفاؤل والأمل.. كلّفت اليد اليسرى بالقيام بما كانت تقوم به اليمنى، الأمر الذي وضعني في قلب الاهتمام بكثير من الأمور، التي كنت في ضوء مقتضيات اليومي، أتركها أو أتخلّى عنها، ومن بين هذه الأمور، العناية باللغة وسحرها، اللغة وإيقاع مفرداتها، وشدّني حنين جارف إلى نصوص كثيرة ساهمت في إضاءة كثير من الدروب التي عبرت، فكتبت عنها.. كتبت أيضاً عن الشعر والمطر، كما كتبت عن السفر والحيوانات الأليفة، كتبت عن الحنين والبطء وتعثُّر المشي والسقوط، كما كتبت عن السفر والصداقة.. فوجدت نفسي بعد سنوات، أمام جملة من المقالات والنصوص، بعضها أقف أمام أحوالي الصحية، محاولاً معاينة ما جرى، وبعضها وقفت فيه أمام أحوال نصوص عدت إليها بعد انقطاع دام سنوات.. وجدت نفسي أمام أحوال ونصوص لا علاقة لها بمجموع ما كتبت قبل الإصابة، وقد منحتني النصوص الجديدة، فضاء للاقتراب من شجون الذات، وطرقاً في النظر إلى عِلَلِها مكنتني من تحقيق تطلعات معينة، ومنحتني في الآن نفسه، أحاسيس ممتعة.

 

فهل يتعلق ما قمت به، بنوع من التشبث بما أشعر بكونه يجعلني أُحِسُّ بنوع من الراحة؟ هل استنطاق العلّة والخَلل والجرح واستحضار المفقود والغائب، يمنحني قليلاً من الأمان؟ إذا كنت لا أدري فإن ما أقدمت عليه، من نشر ما كتبت من تأملات حول أحوالي الصحية العامة، ساهم في جعلي أمتلك نوعاً من التوازن المرتبط بقيمٍ معينة.

 

جمعت النصوص الجديدة، وانتبهت أن الجامع الناظم لمختلف محتوياتها، يتمثل في طعوم الكلمات كما وردت وتَرِد فيها.. وقد اخترت لها عنوان طعم الكلمات، لأصبح أمام كتاب لا علاقة له بالكتب الأخرى التي نشرت قبله، وفي مقدمة هذا الكتاب أشرت إلى أنني أحرص في مقالاته، على وضع اليد على بعض جوانب من الأوجاع والمسرات التي صادفت في حياتي، مسرات العين والقلب والعقل.. ومسرات الأوهام التي لم أستطع التخلص منها.. حيث أواصل سيري فوق الأرض ولا أتوقف عن رفع أعيني نحو السماء.. وكم تمنيت في مناسبات عديدة قبل إصابتي وبعدها، أن تكون لي أجنحة، تَهَبُني القدرة على الطيران ومصاحبة الطيور في السماء.. ولم أعتبر يوماً أن أمنيتي مستحيلة.. فقد أتاحت لي الخواطر السانحة بين الحين والآخر، إمكانية التحليق في الأعالي بالكلمات، كما مكنتني الأحلام والصبوات، من التغني بالجميل والفاتن ومجالسته.. والظفر أحياناً بلمسه والنظر في عينيه..

 

عندما صدر لي مصنف طعم الكلمات، أحوال ومعاينات سنة 2020 لم تكن تربطه أي علاقة بالكتب الأخرى التي صدرت لي قبله، وقد سألني أحد الأصدقاءعن حكاية هذا الكتاب، فجاء الجواب الوارد في هذه الصفحات.

 

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg