علينا بدايةً أن نتذكّر أنّ تصنيفنا "عدواً كلاسيكياً" لم يصدر عنا حتى في عز اشتعال الصراع بيننا وبين جيراننا في شرق المملكة، بل جاء ذلك بكل اريحية من عند أنفسهم، وتحديدا على لسان الرئيس الفعلي لنظامهم الكسيح، "غير السعيد شنقريحة"، الذي خصص لنا خطاباً رسمياً من خطبه "المشهودة" ليَسِمَنا بذلك الوصف على وجه التخصيص، فكان بذلك نابغةً في فضح مشاعره تجاهنا نحن المغاربة، نظاماً ملكياً ومواطنين، غيرَ آبهٍ بما يترتب عن ذلك التصنيف من آثار أقلّها وزناً وخطورةً أنه أوصد كل الأبواب في وجه أي محاولة لتقريب الشقة وردم الهوة بيننا، وخاصة بعد أن تفنن النظام ذاتُه في إنتاج ثلاثة أجيال على الأقل، تُدين كلها بالكراهية المجانية تجاهنا، وبعد أن حرّف تاريخ العلاقات بين بلدينا وزوّره، فحذف منه وقَلَب كل المحطات التي قدم المغرب فيها، ملكا وحكومات ومواطنين، أيادي المساعدة على طرد الاستعمار الفرنسي من الجزائر، مع ما كلفنا ذلك من بتر مساحاتٍ شاسعةٍ من ترابنا الوطني لفائدة فرنسا أولاً، ثم لحساب ابنتها بالتبني، بل ابنتها البيولوجية بدليل قولة الرئيس ماكرون بعظمة لسانه: "إن بين فرنسا والجزائر أواصرً دم، وأبناءً"... والله يعلم ما يكمن بينهما فوق ذلك !!
ونعود الآن إلى مضمون العنوان أعلاه، لنجد أن الدبلوماسيا المغربية استطاعت في الأيام القليلة الماضية أن تدفع بالنظام الجزائري أكثر فأكثر إلى الركن الأشدّ انعزالاً على مختلِف المستويات، فجعلت كينيا تنفصل كلياً عن صلاتها السابقة باللقيطة البوليساريو، وبالجزائر نفسها فيما يخص ملف وحدتنا الترابية، وأتبعَتها في ذلك المنحى ببلدان من كل من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتنية، ثم جاءت الضربة القاصمة قبل يومين بالذات، من خلال جعل جمهورية مصر العربية تُراجع مواقفها الأخيرة تجاهنا، والتي كادت أن تفسد للود قضيتَه تحت يافطة مشاكسات البطولة الإفريقية للأمم في كرة القدم، حتى أوشكنا على قراءة السلام على العلاقات المغربية المصرية، وحتى شاهدنا تباشير الفرح والغبطة في أجواء جارتنا الشرقية وهي تُمنّي النفس بانضمام مصر الصريح والحاسم لمعسكرها الخائب، لتخرج علينا دبلوماسيا أرض الكنانة بموقف وازن وصادم أعلنت من خلاله، صراحة وبكل الوضوح الممكن، عن اعترافها البَيِّن بالمشروع المغربي للحكم الذاتي، كحل وحيد وممكن للنزاع المفتعل حول صحرائنا المسترجعة والمسقية بدماء شهدائنا، الذين ذهبوا ضحايا غدر الجيران لأزيد من نصف قرن، وهو موقف قاصم لظهر ذلك النظام السقيم، الذي لم يبق أمامه سوى الاستسلام للأمر الولقع، الذي مفادُه "أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها"، وأنّ المساس بذلك دونَهُ دماءُ جميع المغاربة بلا أدنى استثناء !!
لقد لاحظنا جميعا، والعالم من حولنا، كيف أن الضجيج الذي تسبب في قيامه الوفد الرياضي السنغالي في ليلة 18 يناير المنصرم، من أجل نيل بطولة إفريقية مغبونة، واختطاف كأس غير مستحَقّة، جعل بعض الإعلاميين المصريين ينضمّون إلى الجوقتيْن السنغالية والجزائرية، في نيلهم من مشروعية الموقف المغربي، حتى أننا تلقّينا اتهامات بنيلٍ غيرٍ مُشَرِّفٍ لبطولتنا الإفريقية الأولى والوحيدة، في سنة 1976، وحتى ضحك العالم الرياضيُّ عامةً، والكرويُّ خاصة بملء نَواجده، وهو يرى كيف أن كرة منفوخة بالريح كادت أن تفسد علاقات تاريخية بين بلدين ذَوَيْ حضارتين موغلتين في العراقة والقِدَم، لولا أن المنطق والعقل عادا إلى الساحة ليُعيدا عقرب تلك العلاقات إلى وتيرة سيرها الطبيعي، وليتأكد من جديد أن البون أوسع مما يمكن أن يتصوره الباحثون والدارسون والمتتبعون لمسار العلاقات الدولية في شُقًيْها السياسي والدبلوماسي، بين البلدين الجارين، المغرب والجزائر، وبتحصيل الحاصل، بين نظامين أحدهما متجذّر في ليل التاريخ، وثانيهما اختطف مقاليد السلطة واستمرّ يلهث جرياُ في البحث عن شهادة ميلاده، المُطَوَّحِ بها في رفٍّ من رفوف الإيليزي، داخل ملف يحمل على غلافه عنوان: "اتفاقية إيفيان"...
وكلنا بلا ريب، يعلم ما ذا يعني ذلك العنوان، في مسار نظام لم يستطع إلى غاية يومه ومنذ ثلاثٍ وستين سنةً أن يتحصّل ككل بلدان العالم الحر على وثيقةٍ للاستقلال، والدليل على ذلك غياب تلك الوثيقة إلى غاية أيامنا هذه في الرفوف المستقبِلة لوثائق الدول المستقلة بأرشيف الجمعية العامة للأمم المتحدة... ومَن أراد التأكد من ذلك فليبحث لدى "الشيخ غوغل" عن الملف المتضمن لتلك الوثائق، في محفظات أوراق المنظمة الأممية، وسيجد بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام الجزائري يمتلك بالكاد قراراً رئاسياً فرنسياً، مُوَقَّعاً من لدن الجنرال شارل ديغول، يعلن فيه عن "تقرير مصير الجزائر" بانفصالها عن فرنسا، بوصفها "مقاطعة فرنسية سابقة لما وراء البحار"...
وبمناسبة ذكر تقرير المصير ذاك، ينبغي هنا التذكير بأن أهالي تيندوف وبشار وما جاورهما، إلى غاية قبائل الرحل في فيافي حاسي بيضا وحاسي الرمل وحاسي مسعود، لم يشاركوا في استفتاء تقرير المصير المذكور، والمفترَى عليه، باعتبارهم أنفسَهم مواطنين مغاربة تابعين لملك المغرب، ومطوَّقين بالبيعة لملك المغرب، ليس قولا فحسب، بل بوثائق وظهائر يستحيل تكذيبُها أو رَمْيُها بالزُّور....
نهايتُه... لقد استطاع المغرب بفضل علاقاته المتجددة مع إخوانه المصريين، والتي تجلّت في أبهى صورها قبل يومين فحسب، أن يزيد من عزلة النظام الجزائري المنعزل أساساً، ويزيد في دفعه إلى ركن شديد الظلمة لن يتخلص منه إلا بأحد خياريْن:
- إما أن يستمر في عناده ومكابرته فيناله ما يوشك أن ينال صنيعته البوليساريو من التصنيف في خانة المروق والإرهاب، فيخضع بالقوة من جراء ذلك لعقوبات لن يتحملها اقتصاده السيئ؛
- أو الاستسلام للأمر الواقع، الذي فرضه المغرب بمنطق التاريخ ومنطق المشروعية العربية والإفريقية والدولية...
ويزيد طين هذا النظام بَلَلاً أن صنيعته البوليساريو ركبت رأسها في اليومين الأخيرين، وكأنها منفصلة كلّياً عن الواقع، فطفقت في تنظيم استعراضات عسكرية استعملت فيها كل أسلحتها، وكأنها بذلك تهدد ذلك النظام الجزائري ذاته، من داخل عرينه وتحت سقف داره، أو ما يسمى تجاوُزاً بداره، في انتظار عودة تلك الدار إلى صاحبها الشرعي، أقصد إلينا نحن، طال الزمان أو قصر... عجبي!!!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد.





