samedi 11 avril 2026
كتاب الرأي

عبد الحي الغربة: مخرجات المجلس الوزاري بين طموح الإصلاح وحدود الأثر.. قراءة نقدية في التحول التنموي بالمغرب

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
عبد الحي الغربة: مخرجات المجلس الوزاري بين طموح الإصلاح وحدود الأثر.. قراءة نقدية في التحول التنموي بالمغرب عبد الحي الغربة

يمكن قراءة الرسائل التي حملها المجلس الوزاري الأخير برئاسة الملك باعتبارها تعبيرًا عن مرحلة جديدة في تطور الدولة المغربية، مرحلة لم تعد فيها السياسات العمومية تُبنى على منطق التدخلات القطاعية المعزولة، بل على منطق الرؤية الاستراتيجية المندمجة التي تجمع بين ثلاثة محاور كبرى هي تعزيز الاستثمار، توسيع الدولة الاجتماعية، وإعادة هيكلة الحكامة العمومية. هذا التحول لا يمكن فهمه إلا في ضوء الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تعكس طبيعة التحديات الراهنة.
على المستوى الاقتصادي، تشير المعطيات المتداولة في التقارير الوطنية والدولية إلى أن معدل النمو في المغرب خلال السنوات الأخيرة ظل في حدود 3 في المائة كمعدل وسطي، مع تسجيل تذبذب واضح بين سنوات الجفاف والانتعاش، حيث ينخفض النمو أحيانًا إلى أقل من 2 في المائة في السنوات المناخية الصعبة. هذا المستوى من النمو، رغم استقراره النسبي، يبقى غير كافٍ لاستيعاب الضغط الديمغرافي وسوق الشغل، خاصة أن الاقتصاد الوطني مطالب بإحداث ما يقارب 250 ألف إلى 300 ألف فرصة شغل سنويًا للحفاظ على التوازن الاجتماعي، وهو ما لا يتحقق بشكل كامل حاليًا، إذ يظل معدل البطالة في حدود تقارب 13 في المائة وطنياً، ويرتفع في صفوف الشباب الحضري إلى نسب قد تتجاوز 30 في المائة في بعض الفئات.
في هذا السياق، يأتي التركيز على الاستثمار باعتباره رافعة مركزية لإعادة تحريك النمو. فالتوجه نحو رفع نسبة الاستثمار إلى ما يقارب 30 إلى 33 في المائة من الناتج الداخلي الخام يعكس قناعة بأن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى صدمة استثمارية جديدة، قادرة على تحويل النمو من نمو هش إلى نمو مولد لفرص الشغل. غير أن الإشكال العميق لا يتعلق فقط بحجم الاستثمار، بل بنوعيته، إذ تشير المعطيات إلى أن الاستثمار العمومي ما يزال يشكل نسبة مهمة من إجمالي الاستثمار، في حين أن مساهمة القطاع الخاص، رغم تطورها، ما تزال دون المستوى المطلوب مقارنة بدول صاعدة استطاعت أن تجعل القطاع الخاص المحرك الأساسي للنمو.
أما في ما يتعلق بورش الحماية الاجتماعية، فإن المغرب يعيش منذ سنوات تحولا بنيويا يتمثل في الانتقال من نظام دعم محدود الفئات إلى نظام شامل يستهدف تعميم التغطية الاجتماعية. تشير المعطيات الرسمية إلى أن أكثر من 20 مليون مواطن أصبحوا مشمولين بنظام التغطية الصحية الإجبارية، إلى جانب إطلاق برامج الدعم المباشر للأسر التي تستهدف ملايين الأسر المغربية، خصوصًا في الوسطين القروي والهش. هذا التحول يجعل المغرب في مسار بناء دولة اجتماعية حديثة، غير أن هذا الورش يطرح تحديًا كبيرًا يتعلق بالاستدامة المالية، خاصة مع ارتفاع كلفة التعميم وتوسع قاعدة المستفيدين، مما يفرض إعادة التفكير في تمويل السياسات الاجتماعية وربطها بإصلاحات جبائية أعمق.
على مستوى الحكامة وإعادة هيكلة القطاعات العمومية، فإن الإشكال الأساسي يرتبط بفعالية الإنفاق العمومي، حيث تشير بعض التقديرات المقارنة إلى أن مردودية الاستثمار العمومي في المغرب ما تزال أقل من المعدلات المسجلة في دول صاعدة حققت نفس مستويات الإنفاق، وهو ما يعني أن المشكلة لا تكمن في حجم الموارد فقط، بل في كيفية توجيهها وتدبيرها. هذا يفتح نقاشًا واسعًا حول نجاعة السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية لتفادي التشتت في البرامج العمومية.
من جهة أخرى، فإن هذه التوجهات تعكس أولويات المرحلة الراهنة التي يمكن تلخيصها في ثلاث ضغوط كبرى مترابطة. أولًا ضغط اجتماعي يتجلى في ارتفاع الطلب على الخدمات العمومية، خصوصًا التعليم والصحة والسكن، حيث تشير المؤشرات إلى خصاص واضح في جودة الخدمات رغم توسع التغطية. 
ثانيًا ضغط اقتصادي مرتبط بضعف خلق فرص الشغل مقارنة بدخول أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق العمل سنويًا، وهو ما يفسر استمرار نسب البطالة المرتفعة. ثالثًا ضغط مجالي يتجلى في استمرار الفوارق بين الجهات، حيث تتركز نسبة مهمة من الناتج الداخلي الخام والاستثمارات في محور الرباط الدار البيضاء، في حين ما تزال جهات أخرى أقل استفادة من دينامية التنمية.
في ما يتعلق بالأحزاب السياسية، فإن المعطيات الرقمية المرتبطة بالمشاركة السياسية تكشف عن تحدي حقيقي، إذ إن نسبة المشاركة في بعض الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة لم تتجاوز حوالي 50 في المائة من المسجلين، وهو ما يعكس أزمة ثقة متزايدة في الوساطة الحزبية. كما أن جزءًا مهمًا من المواطنين، خاصة الشباب، يعبر عن ضعف الارتباط بالأحزاب باعتبارها قنوات للتأطير والتعبير السياسي. هذا الوضع يضع الأحزاب أمام مسؤولية تاريخية لإعادة بناء أدوارها على ثلاث مستويات أساسية.
أولًا على مستوى التأطير، حيث ينبغي أن تتحول الأحزاب إلى فاعل تفسيري للسياسات العمومية، يشرح للمواطنين خلفيات القرارات الكبرى مثل إصلاح الحماية الاجتماعية أو سياسات الاستثمار. ثانيًا على مستوى الإنتاج البرنامجي، حيث لم يعد كافيًا تقديم شعارات عامة، بل أصبح مطلوبًا تقديم بدائل رقمية وواقعية في مجالات التشغيل والتعليم والصحة، تستند إلى تشخيص دقيق للواقع. ثالثًا على مستوى المراقبة والتقييم، من خلال تفعيل الدور البرلماني في مساءلة الحكومة حول نجاعة البرامج العمومية، ليس فقط من حيث التنفيذ بل من حيث الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
في الخلاصة، يمكن القول إن المغرب يعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة لنموذجه التنموي، حيث يتم الانتقال من منطق الدولة المنفذة إلى منطق الدولة الموجهة للاستثمار والدولة الاجتماعية في آن واحد. غير أن نجاح هذا التحول يظل مرهونًا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين، وخاصة الأحزاب، على تحويل هذه التوجهات إلى دينامية مجتمعية حقيقية قابلة للقياس بالأرقام، وقابلة للتقييم على أساس النتائج وليس فقط على أساس النوايا، بما يضمن ربط السياسات العمومية بالأثر الملموس في حياة المواطنين.

 

عبد الحي الغربة، أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
 

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg