dimanche 5 avril 2026
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: المسلم التَّقليدي والمُسلِم المُتنوِّر المعاصِران

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
أحمد الحطاب: المسلم التَّقليدي والمُسلِم المُتنوِّر المعاصِران أحمد الحطاب

المسلم التقليدي، رغم وجودِه في عصر مختلِفٍ جذريا عن ما كانت عليه المجتمعات الإسلامية في الماضي، فإن إسلامَه (دينَه) مبنيٌّ على التوارث أو التقليد. وفي حالةٍ أخرى، يكون مسلِماً باتباع ما يقوله الكهنوت الديني في الأمور الدينية.

المسلم بالتوارث، مسلمٌ، لكن إسلامَه ورِثه عن أبيه أو عن أمه. وهذا يعني أنه، عند ازديادِه، وجد أباه أو أمَّه على دين ألإسلام، فقلّدهم في ممارسة الطقوس الدينية من شهادة وصلاة وصيام… والمسلم التَّقليدي، غالباً، ما يُطبِّق، في حياتِه الدينية، ما يقولُه الكهنوت الديني، أي علماء وفقهاء الدين. بل، من كثرة جهله للدين الإسلامي الوارد في القرآن الكريم، وبما أن إسلامَه مبني على التقليد، فإنه يثق ثقةً عمياءَ في الأقوال والأحكام الصادرة عن هذا الكهنوت، بدون أدنى تحليلٍ أو نقدٍ.

أما المسلِم المتنوِّر، فإنه، أولاً وقبل كل شيءٍ، يشغِّل عقلَه للوقوف على كل نص له علاقة بالإسلام، سواءً كان قرآنا أو مؤلفا كهنوتيا. لكن المسلمَ المتنوِّرَ، عندما يشغِّل عقلَه، لا ينسى أنه يعيش في زمانٍ ومكانٍ مغايرين لذلك الذي نزل فيه القرآن وصَدرت فيه كُتُبُ الكهنوت. زمان ومكان طرأت فيهما تغييراتٌ جذرية على المُجتمعات الإسلامية. وهذا يعني أن النَّص الديني ليست له نفس القيمة عند المسلم التَّقليلي والمسلم المُتنوِّر.

المسلم التَّقليدي يطبِّق حرفيا ما جاء في نصوص الكهنوت، بينما المسلِم المتنوِّر يُخضِع النصوص الدينية لمِصفاة العقل le filtre de la raison قبل الحكم عليها.

وهذه بعض الفوارق بين المسلم التقليدي والمسلم المتنوِّر :

1.فيما يتعلَّق بالرصيد المعرفي الديني. المسلم التقليدي يعتمِد على النقل. بمعنى أنه لا يُتعِب نفسَه بالتحليل والبحث، ما دام هاجسُه الأول والأخير هو التطبيق على أرض الواقع ما قاله السلف في الأمور الدينية. بينما المسلم المُتنوِّر يشغِّل عقلَه للقيام بتحليل النصوص الدينية للتَّفريق بين ما هو ثابت وما هو متغيِّر. والمُتغيِّرُ يتغيَّر مع ظروف الزمان والمكان. بمعنى أن المسلِمَ المتنوِّرَ يستطيع، بتشغيله للعقل، أن يُفرِّقَ بين ما هو ثابت من الأمور الدينية وما تفرِضه الثقافة الدينية. وهذا يعني أن المُسلِم التنويري يُفرِّق بين ماهو ملزَم بأدائه وما تفرضه العادة والتقاليد الدينية.

2.فيما يخصُّ تفسيرَ النصوص، المسلم التَّقليلي يقبل النصوص، كما هي، أي أن كل ما يهمُّه، هو تطبيقُها بالحرف على أرض الواقع. بينما المسلم التنويري لا ينسى أن يُضيفَ إلى تشغيل عقله، ظروفَ الزمان والمكان اللذان يعيش فيهما. وهذا يعني أن مقاربتَه للنصوص الدينية فيها شيءٌ من التَّجديد، أي أن الخلاصة التي سيخرج بها، ربما تكون، هي نفسُها، فيها شيءٌ من التجديد.

3.فيما يخص علاقة الدين بالحداثة la modernité. وهنا، لا بدَّ من فتحِ قوسٍ لأقول إن الحداثةَ لا تتنافى، إطلاقا، مع الدين. كل ما يتعلَّق بالممارسات والمعاملات  الدينية لا علاقةَ لها بظروف المكان الذي يعيش فيه المُتديِّن. الدين ممارسات ومعاملات يمكن للمتديِّن أن يقومَ بهما حيث يوجد زماناً ومكاناً. ولهذا، فالمتديِّن يمكن أن يكونَ تقليدياً (المسلم التقليدي) ويمكن أن حداثيا (المسلم التنويري). الفرق بينهما هو أن المسلم التقليدي قد يرى في الحداثة تهديداً لما تعوَّد عليه من قيمٍ إنسانية وأخلاق سامية. بينما المسلم التنويري يرى في الحداثة فرصةً للنهوض بالقيم الإنسانية من ديمقراطية démocratie وتسامحٍ tolérance وعقلانية rationalité وتقدُّمٍ علمي ومساواة égalité…

ثم لماذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة "المُعاصران"؟ قلتُها لأن المسلمَ التقليدي  والمسلِم المتنوِّر يعيشان في نفس العصر لكنهما يختلفان من حيث تشغيل العقل. وبكل أسف إن الأغلبيةَ الساحقةَ من المسلمين، هم مسلِمون بالتوارث والتقليد. والطامة الكبرى، هي أن إسلامَ هؤلاء المسلِمين مشوبٌ بالتخويف والترهيب  والترعيب. والطامة الأكبر، هي أن المدرسةَ، عوض أن تُصلِح ما اعوجَّ في المجتمع والأُسَرِ تدعِّم هذا التَّخويف، بل تجعل منه ركيزةً من ركائز الدين والتَّديُّن. وبالنسبة للمسلم التقليدي يزداد هذا التخويف شدةً، مما يجعل منه جسداً بلا عقل يخاف من إسلامِه، دينأً وتديُّناً. بينما المسلم التَّنويري يزداد طُمأنينةً وارتياحاً لانه مُدرِكٌ لِما هو الدين الوارد في القرآن الكريم وما هي قيمة التَّديُّن المُعقلن، أي الصادر عن قناعة إرادية une conviction volontaire.

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg