vendredi 10 avril 2026
جالية

أريري: كيف بنى الشيوعيون "إمارة الفيتنام" داخل جمهورية التشيك

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
أريري: كيف بنى الشيوعيون "إمارة الفيتنام" داخل جمهورية التشيك عبد الرحيم أريري أمام مجمع Sapa وفي مقهى فيتنامية داخل"هانوي الصغيرة"

إذا كانت إيطاليا تتميز باحتضانها لدولة داخل الدولة، فإن دولة التشيك لا تشذو عن القاعدة، إذ بدورها تحتضن دولة داخل ترابها.فداخل دولة إيطاليا نجد "دولة الفاتيكان"، وداخل دولة التشيك نجد "دولة الفيتنام".
الفارق بين النموذجين، أن إيطاليا وثقت احتضانها لدولة الفاتيكان باتفاقيات 11فبراير 1929، المعروفة باسم "اتفاقيات Latran" بين الرئيس موسوليني والكنيسة الكاثوليكية تعترف فيها روما باستقلال دولة الفاتيكان داخل مساحة 44 هكتار بوسط العاصمة روما (أي مايعادل مساحة مركب محمد الخامس بالدارالبيضاء والمرافق الرياضية الملحقة به). في حين أن جمهورية التشيك وثقت "اعترافها" ب "دولة الفيتنام" بالعرف والأمر الواقع داخل مساحة قدرها 35 هكتار بضاحية العاصمة براغ (مايعادل مساحة "عمارات المستقبل" بسيدي معروف بالبيضاء).

"دولة الفيتنام" أو "هانوي الصغيرة" هي عبارة عن مجال ترابي  اقتطعته الجالية الفيتنامية المقيمة بالتشيك وأخضعته لطقوس الفيتنام وقوانين الفيتنام ولغة الفيتنام ومأكولات الفيتنام وبيع مواد الفيتنام وحجز تذاكر السفر للفيتنام. بحكم أن الفيتناميين يشكلون أول جالية غير أوربية مقيمة بالتشيك.

فإذا أسقطنا الأوكرانيين اللاجئين بحكم الحرب(يقدر عددهم بحوالي 600 ألف لاجئ)، وأسقطنا السلوفاك بحكم التاريخ المشترك حين كانت تشيكوسلوفاكيا موحدة(عددهم يصل الى 126 ألف فرد)، نجد أن الفيتناميين هم أول جالية أجنبية بجمهورية التشيك، وهم المتحكمون في مفاصل التجارة الداخلية، وخاصة تجارة القرب والمحلات التجارية المرخص لها بالبيع الى مابعد منتصف الليل( باللغة التشيكية تسمى Vecěrka)، ويتحكمون كذلك في صالونات الحلاقة والتجميل.

وزارة الداخلية التشيكية تحصر عدد الفيتناميين في 80 ألف فرد، أي ما يعادل 0،1% من سكان البلد، وهو عدد يبقى مرتفعا، بالنظر إلى أن التشيك ليست لها تقاليد في الهجرة مقارنة مع باقي دول أوربا الغربية.لدرجة أن أغلب المهاجرين المقيمين بالتشيك ينحدرون من دول الاتحاد الأوربي، بحيث يشكل الأوربيون ربع العدد الإجمالي من المهاجرين دون احتساب أعداد الأوكرانيين الذين يتوفرون على صفة لاجئ.

لفهم أسباب تدفق الفيتناميين على التشيك، يتعين العودة إلى الحقبة السوفياتية، حين كانت دولة "تشيكوسلوفاكيا" ودولة الفيتنام "إخوة في الشيوعية"، في عهد الحرب الباردة. ففي تلك الفترة بنت تشيكوسلوفاكيا الشيوعية جسرا مع "أختها" الفيتنام، الشيوعية بدورها لاستقطاب آلاف الفيتناميين. هذا الجسر مكن تشيكوسلوفاكيا من يد عاملة رخيصة لإعادة بناء ما دمرته الحرب من جهة، ومكن الفيتنام من تخفيف الثقل الاقتصادي والاجتماعي بحكم الخناق والإنهاك الذي عانته الفيتنام من حروبها مع فرنسا وأمريكا من جهة أخرى.

لكن لما انهار جدار برلين وتفكك المعسكر الشيوعي بعد 1989، رفض فيتناميو التشيك العودة إلى بلدهم الأصلي فاستقروا و"غرسوا الأوتاد" في براغ وبباقي مدن التشيك، خاصة وأن أبنائهم ولدوا وترعرعوا هنا.

f5daccdc-eec9-4dee-a38a-190f2a27dcae.jpg

                                      عبد الرحيم أريري بمطعم فيتنامي

 

"هانوي الصغيرة" la petite Hanoi، توجد في الضاحية الجنوبية لمدينة براغ، وتحديدا بين دائرتي libus و Pisnice، اللتين تم دمجهما في تراب براغ بعد تمططها وتوسعها العمراني. وهي مجمع تجاري كبير يسمى Sapa يمتد على مساحة 35 هكتار، كان في الأصل مجزرة ومحلا لبيع الدواجن. لكن في عام 2000 اشتراه مجموعة من الفيتناميين وحولوه إلى مركب للبيع بالجملة وبالتقسيط.
المركب يضم 1000 محل تجاري خاص بالمواد والسلع الفيتنامية، ويشتغل فيه 10.000 فيتنامي، موزعين على مراكز البيع والمطاعم والمقاهي الشعبية وصالونات التجميل ومحلات صرف العملة ووكالات الأسفار وقاعة الحفلات الالتي تحتصن أعراس الفيتناميين. 
في عام 2007، ستعرف La petite hanoi التحول الأكبر، إذ لم يعد مجمع SAPA مجرد فضاء تجاري فقط، بل أصبح "من "المجالات المقدسة" عند الفيتناميين بالتشيك بعد بناء معبذ بوذي كبير داخله من طرف "الجمعية البوذية الفيتنامية"، وهو ما جعل مجمع SAPA يرتقي في السلم اللغوي والسياسي من "هانوي الصغيرة" إلى "دولة الفيتنام داخل دولة التشيك".

الدليل أن Pham Minh Chinh، الوزير الأول الفيتنامي، حين زار براغ رسميا بداية عام 2025، حرص بتاريخ 19 يناير على أن يقضي يوما كاملا في مركب SAPA، مع مواطنيه داخل " دولة الفيتنام" بضاحية براغ.

 

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg