العقل السليم يقول : المواطنون (رجالاً ونساءً) يُصوِّتون على البرامج وليس على الأشخاص. لكن الأحزاب السياسية تعمل كل ما في وُسعِها لينتقلَ التَّصويتُ من "على البرامج" إلى التَّصويت "على الأشخاص". فماذا يعني هذا التَّصرُّف؟
هذا التَّصرُّف يعني، بكل بساطة، أن الأحزاب السياسية تخلت عن أدوارِها الدستورية وانشغلت (لا أقول اهتمَّت لأن الاهتمام يلزمه مجهود فكري، وأحزابُنا السياسية لم يعد لها فكر) بفكر واحد أوحد. وهو التفكير في الوسيلة التي تُمكِّنها من الوصول إلى كراسي السلطة. وهذا يعني أن أحزابَنا السياسية لا تهمها أدوارها الدستورية من تمثيليةٍ représentativité وتأطيرٍ encadrement لأبناء وبنات الشعب المغربي. بل إنها تخلَّت عن الشعب وعن تمثيلِه (النيابة عنه في تدبير الشأنين العام والمحلي) وعن تأطيره سياسياً، اجتماعياً وثقافياً. بل إن أحزابَنا السياسية فضَّلت أن تعيشَ مُتطفِّلة على الشعب الذي يَرفضُها جملةً وتفصيلاً.
وفي نهاية المطاف، وجدتْ أحزابُنا السياسية الوسيلة التي تضمن لها الوصولَ إلى كراسي السلطة. وهذه الوسيلة تتمثَّل في فتح باب الانخراط في الأحزاب السياسية للأعيان، وليس أي أعيانٍ. بل الأعيان المُلقبون ب"مول اشْكَارَة"، أي بصريح العبارة، الأغنياء القادرون على شراء كل شيءٍ، بأموالهم، داخلَ المجتمع المغربي. وهذه الوسيلة، هي، في الحقيقة، غير ديمقراطية ومضادة لإرادة الشعب المغربي. لماذا؟
لأن ممارسةَ السياسة لها أخلاق morale وأخلاقيات éthique تفرض عليها أن تكون صادقة، شفَّافة، نزِيهة، مستقلة، غير مُنافِقة وقريبة من الشعب. غير أن أحزابَنا السياسية فضلت أن تضرب عرضَ الحائط كل القواعد أو المبادئ الأخلاقية وكل ما تفرضه أخلاقيات السياسة. بل فضَّلت أن تضرب عرضَ الحائط إرادةَ شعبٍ بأكمله لتصلَ إلى كراسي السلطة باستعمال وسيلة غير ديمقراطية، والأدهى والأمر أن هذه الوسيلة مرفوضة رفضا قطعياً من أبناء وبنات الشعب المغربي، الأحرار.
فهل يوجد حزبٌ سياسي لا يلجأ إلى ضمِّ الأعيان إلى صفوفه؟ وإذا وُجِد هذا الحزب، فإن فشلَه في ضم الأعيان إلى صفوفِه، دليلٌ على ضعفِه أو ليس له موقعٌ حاسمٌ في المشهد السياسي.
وحتى الأعيان، عاميون ومتعلمون، ليسوا أغبياء. لأنهم يختارون، دائماً، الانضمامَ إلى الأحزاب التي لها القدرة على الوصول إلى كراسي السلطة. وإذا أحسُّوا أن الحزبَ الذي يحتضِنُهم لن ينجحَ في الوصول إلى كراسي السلطة، فإنهم، بكل بساطةٍ، يغادرونه إلى حزبٍ آخر، حظوظُه وافرة في الوصول إلى كراسي السلطة. وهذا التِّرحال السياسي la transhumance politique يكثُر كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، وخصوصا، التشريعية.
هذه هي حقيقية أحزابِنا السياسية! لم يعد لها لا مبادئ ولا إيديولوجيا تؤطِّرها وتفرض عليها التشبُّثَ بأسمى وأرقي القيم الإنسانية التي، بدورِها، تفرض عليها أن تكون وفيَّةً للشعب المغربي وتُمثِّله أحسن تمثيل في مؤسسات الدولة من برلمانٍ وحكومةٍ ومجالس محلية وجهوية. وهذا يعني، كما سبق الذكرُ، أن أحزابنا السياسية انحرفت عن أدوارها الدستورية وعن قوانين تنظيمِها. فما هي هذه الانحرافات التي بدأت في الظهور مباشرةً بعد وفاة المرحوم، محمد الخامس؟
وهذه الانحِرافات سببُها الرئيسي، هو تخلخُل مبدأ التمثيلية la représentativité الذي قاد السواد الأعظم من الشعب المغربي إلى سحب ثقتِه في الأحزاب السياسية، أي ما يفوق 94% من هذا الشعب، حسب استطلاع للرأي أُجرِيَ سنة 2025. من بين هذه الانحرافات، أذكرُ، على سبيل المثال، ما يلي :
1.وعلى رأس هذه الانحرافات يأتي استعمال المال أثناء الحملات الانتخابية للتأثير على السير العادي للانتخابات وجعلها تميل لصالح حزبٍ سياسي معين. واستعمال المال يكتسي خطورة عندما تمارسه الأحزاب السياسية نفسُها.
2.التِّرحالُ السياسي المشار إليه أعلاه والذي يتكرَّر كلما اقتربت الاستِحاقات الانتِخابية. وأهم انعكاس على المشهد السياسي، هو عدم بقاء مبادئ الأحزاب السياسية وإيديولوجيتِها، على حالها، أي أن هذه المبادئ والإيديولوجيا تتزعزع، وبالتالي، تنعكس، سلباً، على ثقة المواطنين في الأحزاب السياسية.
3. تدهور العلاقة التي، من المفروض، أن تقومَ بين الأحزاب السياسية والشعب المغربي، والتي يجب أن تكون مبنِيةً على الثقة المتبادلة. غير أن أحزابَناَ السياسية فضَّلت وتُفضِّل إعطاءَ الأولوية لتحقيق الأغراض الشخصية للقيادات الحزبية قبل أولوِيأت الشعب المغربي.
4.عجزٌ كبيرٌ في الحكامة la gouvernance يتصدَّرُه غياب الديمقراطية الداخلية la démocratie interne. وتأتي بعد هذا الغياب، نقصٌ مُهوِلٌ في صياغة "مشاريع مجتَمَع" des projets de société قادرة على تشخيص هموم المواطنين وتطلُّعاتِهم capables de diagnostiquer les préoccupations des citoyens et de leurs aspirations.
5.قيام المجلس الأعلى للحسابات la cour des comptes باتهام الأحزاب السياسية بوجودِ اختلالاتٍ في استعمال المال العام الذي تخصِّصُه الدولة لمساعدة الأحزاب السياسية على القيام بالحملات الانتخابية…
وهكذا، فإن أحزابَنا السياسية أصبحت، بحُكم انحرافها عن المبادئ والقيم الدستورية، عبارة عن "وحدات غريبة عن المجتمع المغربي" des entités étrangères à la société marocaine، والذي أصبح مُجبرا على تحمُّلها بعيوبها مهما كبُرت ومهما صغُرت. علماً أن كل الجهود المبدولة من طرف الدولة لتخليق المشهد السياسي المغربي لم تكن كافية، ويبدو أنها لن تكونَ كافيةً لإجبار أحزابِنا السياسية إلى الرجوع إلى طريق الصواب. ولعل أكبرَ انحِرافٍ يُحسَب على أحزابنا السياسية، هو إرغام المواطنين على التصويت على الأشخاص عوض البرامج. فلا غرابةَ أن يكبُرَ العزوف عن السياسة وعن الانتخابات. وربما سيزداد هذا العزوف حجماً واتِّساعاً بمناسبة الاستِحاقات التشريعية المقبِلة لسنة 2026.





