mercredi 8 avril 2026
اقتصاد

الصادق العثماني: البنوك التشاركية الإسلامية.. أزمة فقه مقاصدي أم أزمة ضمير إنساني؟

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
الصادق العثماني: البنوك التشاركية الإسلامية.. أزمة فقه مقاصدي أم أزمة ضمير إنساني؟ الصادق العثماني

لم تعد البنوك التشاركية الإسلامية مجرّد تجربة مالية تبحث عن موقعها في عالم الاقتصاد، بل صارت خطابًا مكتمل الأركان يقدّم نفسه بوصفه البديل الأخلاقي للنظام الربوي، بينما يخفي في بنيته تناقضات عميقة تضعه في موضع مساءلة فقهية ومقاصدية وفلسفية صارمة. فالمسألة لم تعد تتعلق بمدى مشروعية بعض الصيغ التمويلية من حيث ظاهر العقود، بل بمدى صدق هذا النموذج في تمثيل روح الشريعة ومقاصدها، أو تحوّله إلى مجرد غطاء شرعي لنفس الممارسات التي جاءت الشريعة أصلاً لتفكيكها.
 

إن أول ما يلفت النظر في هذا النموذج هو هذا الإصرار العجيب على التمسك بالأشكال الفقهية مع التفلت الكامل من مضامينها. فالمرابحة، التي كانت في أصلها عقد بيع حقيقي يقوم على تملك السلعة وتحمل تبعاتها، تحوّلت في البنوك التشاركية إلى عملية صورية يتم فيها تفادي أي مخاطرة حقيقية، بحيث لا يشتري البنك السلعة إلا بعد أن يضمن بيعها للعميل بربح محدد سلفًا. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بعقد بيع، بل بآلية تمويل نقدي مغلّفة بلغة فقهية. هذا التحوّل ليس مجرد انحراف تقني، بل هو انقلاب على جوهر الفقه الإسلامي الذي يربط المشروعية بالحقيقة لا بالشكل، ويجعل مناط الحكم هو المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني .
 

والأخطر من ذلك أن هذه الصيغ، بدل أن تكون بدائل حقيقية عن الربا، أصبحت في كثير من الأحيان أكثر كلفة وتعقيدًا، مما يكشف أن الهدف لم يعد تحقيق العدالة أو رفع الحرج والظلم، بل الحفاظ على نفس منطق الربح المضمون مع إضافة عبء “الشرعية الشكلية”. فالعميل في البنوك التشاركية لا يجد نفسه أمام شراكة حقيقية في الربح والخسارة، بل أمام التزام مالي صارم يضمن للبنك أرباحه، بينما يتحمل هو وحده المخاطر، تمامًا كما في النظام الربوي. وهنا يظهر بوضوح أن العلة التي من أجلها حُرّم الربا—وهي الظلم والاستغلال—لم تُرفع، بل أعيد إنتاجها بأدوات جديدة .
 

من منظور مقاصدي، يبدو هذا النموذج وكأنه تجاهل بشكل شبه كامل لفلسفة التحريم في الشريعة. فالربا لم يُحرّم لأنه زيادة مالية مجردة، بل لأنه يعكس اختلالًا في العلاقة بين المال والعمل، ويكرّس اقتصادًا قائمًا على تراكم الثروة دون إنتاج حقيقي. فإذا كانت البنوك التشاركية تمارس نفس المنطق، حيث يتم تحقيق الأرباح دون مشاركة فعلية في المخاطر أو في العملية الإنتاجية، فإنها تكون قد حافظت على جوهر المشكلة، حتى وإن غيّرت صورتها. إن الشريعة الإسلامية، في عمقها، لا تعادي الربح، لكنها تعادي الربح المنفصل عن المسؤولية، المنفصل عن المخاطرة، والمنفصل عن القيمة الحقيقية في الاقتصاد .
 

وفي هذا السياق، يمكن القول إن البنوك التشاركية تعكس نوعًا من “الكسل المقاصدي”، حيث يتم الاكتفاء بإعادة تدوير صيغ فقهية قديمة دون مساءلة سياقاتها أو ملاءمتها للعصر. فالمرابحة، والمضاربة، والإجارة، كانت أدوات في سياقات اقتصادية مختلفة تمامًا، حيث كانت العلاقات مباشرة، والمخاطر حقيقية، والرقابة الاجتماعية قائمة. أما اليوم، في عالم مالي معقد ومتشابك، فإن نقل هذه الصيغ بشكل حرفي، ثم تفريغها من مضمونها، لا يمكن أن ينتج نظامًا عادلاً، بل مجرد محاكاة سطحية تفتقد إلى العمق .
 

ومن الزاوية الفلسفية، يكشف هذا النموذج عن أزمة أعمق في الفكر الإسلامي المعاصر، تتمثل في العجز عن إنتاج بدائل حقيقية، والاكتفاء بردود أفعال شكلية على النموذج الرأسمالي. فبدل أن يتم نقد الأسس التي يقوم عليها النظام المالي العالمي—مثل تقديس الربح، وتقليص المخاطر، وفصل المال عن الاقتصاد الحقيقي—نجد محاولة لأسلمة هذا النظام من داخله، دون تغيير جوهري في بنيته. وهنا تتحول الشريعة الإسلامية من قوة نقدية اصلاحية، إلى أداة تكيّف وتبرير، وهو ما يمثل انحرافًا خطيرًا في وظيفتها التاريخية .
إن البنوك التشاركية الإسلامية ، بهذا المعنى، ليست مجرد تجربة اقتصادية فاشلة أو ناقصة، بل هي تعبير عن اختلال في الوعي الفقهي نفسه. فبدل أن يكون الفقه أداة لتحرير الإنسان من أشكال الظلم الاقتصادي، أصبح في بعض تطبيقاته وسيلة لإضفاء الشرعية على نفس هذه الأشكال. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام فقه يخدم المقاصد، أم أمام فقه يخدم السوق؟ وهل يمكن الحديث عن “اقتصاد إسلامي” في ظل هيمنة منطق رأسمالي لم يتم نقده أو تجاوزه؟.
 

ولا يمكن إغفال البعد الأخلاقي في هذا النقاش، حيث يتم تسويق البنوك التشاركية على أنها الخيار “الحلال”، مما يضع العملاء في موقف نفسي وديني يجعلهم يقبلون بشروط قد لا تكون في صالحهم، فقط لأنهم يعتقدون أنهم يتجنبون الحرام. هذا الاستخدام للخطاب الديني في سياق اقتصادي يثير إشكالات خطيرة، لأنه يحوّل الدين إلى أداة تسويقية، ويستغل حساسية الناس تجاه الحلال والحرام لتحقيق مكاسب مالية للطبقات الغنية. وهنا يصبح النقد ليس فقط ضرورة فقهية، بل واجبًا أخلاقيًا.
 

إن الدفاع عن البنوك التشاركية غالبًا ما يقوم على حجة أنها “أفضل المتاح”، أو أنها “خطوة في الاتجاه الصحيح”، لكن هذه الحجج، رغم وجاهتها الظاهرية، لا يمكن أن تبرر استمرار نموذج يعيد إنتاج نفس الاختلالات التي يدّعي معالجتها. فالتدرج لا يعني القبول بالتناقض، والإصلاح لا يعني إعادة تسمية المشكلة. بل إن الإصرار على هذا النموذج قد يؤخر ظهور بدائل حقيقية، لأنه يخلق وهمًا بالاكتفاء، ويمنع النقد الجذري، لهذا لا يمكن إنكار أن فكرة الاقتصاد الإسلامي تحمل في ذاتها إمكانات كبيرة لإنتاج نظام مالي أكثر عدلاً وإنسانية، لكن هذه الإمكانات لن تتحقق ما لم يتم تجاوز منطق التحايل، والعودة إلى جوهر المقاصد الإسلامية. فالمطلوب ليس مجرد بنوك تحمل صفة “إسلامية”، بل رؤية اقتصادية تعيد تعريف العلاقة بين المال والإنسان، بين الربح والمسؤولية، بين السوق والقيم. وهذا يتطلب شجاعة فكرية من،قبل الفقهاء والعلماء للخروج من أسر الأشكال، والانخراط في نقد حقيقي، لا يكتفي بتجميل الواقع، بل يسعى إلى تغييره.
 

إن البنوك التشاركية، في صورتها الحالية، تبدو أقرب إلى حل وسط غير متماسك، يجمع بين خطاب ديني طموح، وممارسة اقتصادية تقليدية، دون أن ينجح في التوفيق بينهما. وهذا التوتر الداخلي هو ما يجعلها عرضة للنقد، بل ويجعل هذا النقد ضرورة، ليس فقط لتصحيح المسار، بل لإنقاذ الفكرة نفسها من أن تتحول إلى مجرد شعار فارغ. فإما أن تكون الشريعة الإسلامية إطارًا حقيقيًا لإعادة بناء الاقتصاد على أسس عادلة، أو أن تتحول إلى لغة تبريرية تُستخدم لإضفاء الشرعية على ما هو قائم، وفي هذه الحالة، نكون قد خسرنا المعنى، حتى وإن احتفظنا بالشكل، لأن الإشكال في البنوك التشاركية الإسلامية ليس في مدى التزامها الحرفي ببعض الصيغ الفقهية، بل في مدى تحقيقها لهذا المعيار القرآني الجوهري: رفع الظلم وإقامة العدل . فإذا كانت النتيجة العملية هي نفس الاختلال في توزيع المخاطر والأرباح، فإن ذلك يطرح سؤالًا حادًا حول مدى صدق هذا النموذج في تمثيل روح الشريعة، لا مجرد ألفاظها.

الصادق العثماني، أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg