في هذا البلد، لا تُدار السياسة بمنطق الاختيارات، بل بمنطق الإفلات من الذاكرة.
الذاكرة هنا عدوّ يجب تدجينه، والوقائع مجرد مواد خام يُعاد تدويرها حسب موسم الانتخابات. ما يُقال اليوم ليس امتدادًا للأمس، بل قطيعة معه… بدون أدنى إعتذار.
من قلب هذا العبث، يطلّ علينا المشهد في صيغته الأكثر فجاجة:
حزبٌ فرض الساعة الإضافية على المجتمع، غير آبه بإيقاع الناس ولا بآثارها الاجتماعية، يعود اليوم ليطالب بإلغائها، وكأن القرار كان خطأً بلا صاحب.
حزبٌ وقّع على اتفاق التطبيع، وفتح الباب لشرعنة علاقة مرفوضة شعبيًا، يتحول فجأة إلى صوتٍ معارضٍ له، كأن التوقيع لم يكن فعلًا سياسيًا مكتمل الأركان.
حزبٌ حرّر أسعار المحروقات، ورفع يد الدولة عن أبسط أدوات الحماية، يلبس اليوم قناع “المدافع عن القدرة الشرائية”، مطالبًا بخفض الأسعار، وكأن السوق الذي أطلقه بلا قيود لا يخضع لمنطق الربح الذي يعرفه الجميع.
ليست هذه مراجعات… هذه قفزات بهلوانية فوق الحقيقة.
المراجعة النقدية تتطلب شجاعة الاعتراف، أما ما نراه فهو إنكارٌ جماعي يُراد له أن يمرّ كوعيٍ جديد.
في العمق، نحن أمام نموذج سياسي يُجرّد الفعل العمومي من مضمونه الاجتماعي:
يُحرّر الأسعار باسم “الإصلاح”، ويُطبع
باسم “الواقعية”، ويُفرض التوقيت
باسم “النجاعة”، تم يعود ليبكي على نتائج اختياراته، حين تقترب صناديق الاقتراع.
هنا، لا تعود السياسة تعبيرًا عن مشروع مجتمعي، بل تتحول إلى سوق خطابي مفتوح، تُباع فيه المواقف بالتقسيط، وتُشترى فيه الذاكرة بثمن بخس.
النَّفَس اليساري لا يرى في هذا مجرد تناقض، بل يراه تجليًا لأزمة أعمق:
أزمة تمثيل، حيث تتحول الأحزاب إلى آلات انتخابية بلا بوصلة طبقية، وأزمة مسؤولية،
حيث لا أحد يُحاسَب على القرارات التي مست حياة الناس، وأزمة معنى، حيث
تُفرغ الكلمات من مضمونها حتى تصير قابلة للاستعمال في كل الاتجاهات.
كيف يُطلب من المواطن أن يثق في خطابٍ يلعن اليوم ما مجّده بالأمس؟
كيف تُبنى ديمقراطية على ذاكرة مُثقلة بالنسيان المتعمد؟
وكيف يُقنعون الناس بأنهم البديل… وهم صانعو الأزمة؟
مع اقتراب الانتخابات، ترتفع حرارة الخطاب، لكن حرارة الأسعار لا تنخفض.
تشتد البلاغة، لكن القدرة الشرائية تواصل النزيف.
تتعدد الوعود، لكن الحقيقة واحدة: نفس الاختيارات، ونفس الكلفة الاجتماعية، ونفس محاولة الهروب إلى الأمام.
في المغرب، قد لا يكون مستغربًا أن يقول الفاعل السياسي الشيء ونقيضه…
لكن الخطير أن يصبح ذلك قاعدةً بلا ثمن.
لهذا، ما دمتَ في المغرب… فلا تستغرب.
لكن، إن كنت ترى أبعد من ذلك، فلا تكتفِ بالدهشة:
حوّلها إلى موقف، وحوّل الذاكرة إلى أداة
وحوّل الذاكرة مساءلة، فأخطر ما يمكن
أن يحدث…هو أن نعتاد هذا العبث،
ونمنحه شرعية الصمت.
عن حزب العدالة والتنمية أتحدث.





