تكشف أحداث الصخيرات (2023) وعين البرجة بالدار البيضاء (2026) عن تناقض بنيوي عميق في تدبير الدولة لملف السكن، حيث يتقاطع الحق الاجتماعي في السكن مع منطق السوق والقانون. فبين إخلال بالالتزامات من جهة، وغياب بدائل اجتماعية عادلة من جهة أخرى، تبرز إشكالية مركزية: هل تعكس هذه الاحتجاجات اختلالات ظرفية، أم أنها تعبير عن أزمة نموذج تنموي في بعده الحضري يعيد إنتاج الهشاشة بدل معالجتها؟ وأليس حدثا الصخيرات وعين برجة حربا عقارية ذات طبيعة طبقة قارة منذ الاستقلال المنقوص وقبله؟
في المقارنة بين حدثي أبريل 2023 وأبريل 2026: السكن الهش بين وعود الدولة وانفجار الاحتجاج
يشترك حدثا دوار الجديد "امحيجر" بالصخيرات (24 أبريل 2023) ودوار العسكر بعين برجة بالدار البيضاء (7 أبريل 2026) في كونهما يعكسان توترا بنيويا عميقا حول قضية السكن والعقار في المغرب، حيث تتحول السياسات العمومية في هذا المجال إلى بؤر احتكاك مباشر مع الفئات الهشة.
في الحالتين، يتعلق الأمر بصراع حول الحق في السكن، وكانت الطبقة المتضررة هي الطبقات الكادحة والهشة، التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع السلطات العمومية خاصة مع ضعف الوساطات وخاصة، فيما يهمنا القوى اليسارية. كما أن أدوات التدخل كانت متشابهة: هدم وإفراغ وقوات عمومية، مقابل احتجاجات شعبية تتخذ أحيانا طابعا عنيفا نتيجة الظلم الاجتماعي الكبير المزمن والاحتقان المتراكم.
غير أن الاختلاف الجوهري بين الحدثين يكمن في طبيعة الإشكال وسياقه:
في حدث 2023 (امحيجر)، يتعلق الأمر بـحي صفيحي، حيث كان جوهر الاحتجاج هو تأخر تنفيذ التزامات رسمية تعود إلى سنة 2004 وانتقائيته. أي أن الدولة في هذه الحالة لم تكن فقط طرفا في التدخل فحسب، وإنما أيضا طرفا في اتفاق سابق لم يتم احترامه، مما أعطى للاحتجاج بعدا حقوقيا تعاقديا مزدوجا، الأول يتعلق بالبرنامج الوطني محد بدون صفيح، والثاني الاخلال الفج بالتعاقد مع "جمعية شباب دوار الجديد أمجيجر" التي تمثل حقا وحقيقة ساكنة هذا الحي الصفيحي وبالاجماع.
أما في حالة حدث 2026 (عين البرجة) بالدار البيضاء، فنحن أمام سكن عشوائي، في سياق تدخل السلطات لمحاربة "السكن غير اللائق". هنا يبرز التوتر بين منطق الضبط العمراني والقانوني من جهة، والواقع الاجتماعي المأزوم القائم من جهة أخرى، حيث تطالب الساكنة بـبدائل اجتماعية واضحة (إعادة إسكان والتعويض والإدماج حضري بما يحفظ الكرامة والعيش الكريم ) قبل تنفيذ قرارات الهدم.
هكذا، وبعبارة أخرى، فإن أزمة 2023 تتعلق وفاء الدولة بالتزاماتها (فشل في التنفيذ)، في المقابل فإن أزمة 2026 تتعلق باختلال التوازن بين القانون والعدالة الاجتماعية (فشل في التدبير).
ورغم هذا الاختلاف، فإن القاسم المشترك الأعمق هو أن السياسات السكنية ظلت تعالج النتائج بدل الأسباب، حيث يتم التدخل بعد تشكل الواقع الهش، بدل منعه عبر سياسات استباقية في التعمير والعدالة الاجتماعية والمجالية.
الحدثان، إذن، ليسا معزولين، إذ يعكسان معا استمرارية الدولة في نفس النموذج التدبيري الذي ينتج التوتر نفسه بأشكال مختلفة من القهر الاجتماعي، مرة بسبب عدم تنفيذ الوعود، ومرة بسبب غياب بدائل اجتماعية قبل فرض القانون. وفي الحالتين، تبقى الفئات الكادحة هي الحلقة الأضعف التي تدفع كلفة اختلالات السياسات العمومية.
السكن الهش في المغرب: من إخلال الدولة بالتزاماتها إلى أزمة النموذج التنموي في بعده الحضري. حالة دوار محيجر بالصخيرات ودوار العسكر بالدار البيضاء
ليس حدثي دوار الجديد "امحيجر" بالصخيرات (24 أبريل 2023) ودوار العسكر بعين برجة بالدار البيضاء (7 أبريل 2026) مجرد واقعتين معزولتين في الزمن والمكان، بل هما تعبير مكثف عن أزمة بنيوية عميقة في نموذج تدبير المجال والسكن بالمغرب. وإذا كان ظاهر الحدثين مختلفا، فإن جوهرهما يكشف عن نفس التناقض الذي تؤطره أرضية اليسار الجديد المتجدد: تناقض بين منطق السوق والعقار من جهة، وحق الجماهير في المدينة والكرامة من جهة أخرى.
يشترك حدثا دوار الجديد "امحيجر" بالصخيرات (أبريل 2023) ودوار العسكر بعين برجة بالدار البيضاء (أبريل 2026) في كونهما يعكسان توترا بنيويا عميقا حول قضية السكن والعقار في المغرب، حيث تتحول السياسات العمومية في هذا المجال إلى بؤر احتكاك مباشر مع الفئات الهشة.
1- من "تنفيذ الالتزامات" إلى "فرض القانون": تحول في شكل الأزمة لا في جوهرها
في حالة الصخيرات (2023)، نكون أمام نموذج كلاسيكي لفشل الدولة في الوفاء بالتزاماتها. اتفاق إعادة الإيواء لسنة 2004 لم ينفذ، أو تم تأجيله وتفريغه من مضمونه، ما حول الاحتجاج إلى مطالبة بحق تعاقدي واضح. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بالسكن، بل بمصداقية الدولة نفسها كفاعل تعاقدي.
أما في الدار البيضاء (2026)، فالإشكال يبدو مختلفا: تدخل باسم "محاربة السكن غير اللائق". لكن خلف هذا الخطاب القانوني، يتوارى نفس العطب البنيوي المتمثل في غياب بدائل اجتماعية حقيقية، وفرض قرارات الهدم دون إدماج فعلي للساكنة في تصور حضري عادل.
وبعبارة تحليلية مستلهمة من المنهج الجدلي الذي تؤكد عليه أرضية اليسا الجديد المتجدد:: التناقض في 2023 كان بين الوعد والتنفيذ، وفي سنة 2026 فإن التناقض بين القانون والعدالة الاجتماعية والمجالية. لكن التناقض الحقيقي، في الحالتين معا، هو بين منطق الدولة/السوق ومنطق الحاجات الاجتماعية.
2- الدار البيضاء والصخيرات: مجالان مختلفان لكن بنفس المنطق
قد يبدو أن الصخيرات (مدينة صغيرة/ساحلية) والدار البيضاء (متروبول اقتصادي) حالتان غير قابلتين للمقارنة، لكن القراءة اليسارية تكشف العكس. فحالة الصخيرات كمجال في طور التحول العقاري، حيث تصبح الأراضي موضوع مضاربة، ويدفع الفقراء إلى الهامش أو يحتفظ بهم كـ"مشكل مؤجل"، أما حالة الدار البيضاء فهي نموذج مكتمل للرأسمالية الحضرية، حيث يتحول العقار إلى سلعة استثمارية كبرى، ويعاد تشكيل المدينة وفق منطق الربح لا وفق حاجات السكان. في السكن اللائق والعيش الكريم.
في الحالتين، يتم إنتاج السكن الهش ليس كـ" اختلال عرضي"، وإنما كـنتيجة مباشرة لسياسات عمرانية تقصي الفئات الشعبية من الولوج إلى المدينة المنظمة وهي سياسة قارة منذ الاستقلال المنقوص وقبله أيضا.
وهنا هذا التحليل يتقاطع مع ما تؤكده أرضية تيار اليسار الجديد المتجدد حول هيمنة المنطق النيوليبرالي في تدبير المجال وتحول الدولة إلى فاعل يواكب السوق بدل أن يصحح اختلالاته.
إن حدثي الصخيرات والدار البيضاء يكشفان أيضا عن تغييبٍ شبه ممنهج لآلية الحوار مع الساكنة، رغم أنها كانت في صلب التصور الرسمي عند إطلاق البرنامج الوطني "مدن بدون صفيح" سنة 2004، الذي بني نظريا على منهجية "عقد المدن" القائمة على إشراك السكان وتكامل تدخلات مختلف القطاعات الوزارية. غير أن الواقع الحالي يوحي بانزياح واضح عن تلك المقاربة التشاركية، نحو منطق تدخلي أحادي تغيب فيه الوساطة والتفاوض. ويعزز هذا الانطباع ما صرح به وزير الداخلية سابقا داخل البرلمان، حين أقر بأن الدولة، بعد سنوات من التعثر، وجدت نفسها تلجأ إلى تسريع وتيرة القضاء على السكن الصفيحي والعشوائي، ولو باستعمال القوة، في ما يبدو كاستباق لضغوط الاستحقاقات الكبرى، وعلى رأسها التحضير لكأس العالم 2030. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود هذا الاختيار، وكلفته الاجتماعية، ومدى انسجامه مع مبادئ العدالة الاجتماعية والمجالية والحق في المدينة وكرامة الناس.
العلمي الحروني، المنسق الوطني لتيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد





