أحياناً، لا تعود الحكايات لنرويها، بل لنفهمها على ضوء ما حدث بعدها.
في ماي 2008، كنت ضمن وفد مغربي تقني يمثل عدداً من القطاعات الحكومية، حلّ بالقاهرة أسبوعاً قبل موعد قمة كان يُفترض أن يكون مفصلياً بين جلالة الملك محمد السادس والرئيس المرحوم محمد حسني مبارك.
كانت الأمور تسير وفق ما تقتضيه مثل هذه المحطات: اجتماعات للخبراء، تنسيق دقيق، واتفاقيات تُصاغ في تفاصيلها الأخيرة.
كان العمل يتم بتنسيق مع السفارة المغربية بالقاهرة، التي كان يقودها آنذاك الدبلوماسي المخضرم محمد فرج الدوكالي، رحمه الله، أحد الوجوه التي جمعت بين الخبرة الدبلوماسية والمعرفة بتعقيدات العمل السياسي، في زمن كانت فيه العلاقات تُبنى، في جانب منها، عبر شبكات الثقة، قبل أن تستقر داخل القنوات المؤسساتية.
أما وفد الخبراء، فقد ترأسه مدير الشؤون العربية بوزارة الخارجية، السفير والمثقف اللامع المكي كوان؛ رجل اتسم بهدوء التقدير ودقة التفاوض، فكان حاضراً بحكمة في إدارة المباحثات، وباتزان في تدبير لحظة الإلغاء.
كان الرهان واضحاً: إعطاء دفعة لاتفاق أكادير، الخاص بالتبادل الحر بين الدول العربية المتوسطية وفتح السوق المصرية أمام صناعة مغربية كانت في بداياتها، في قطاع السيارات.
ثم توقف كل شيء.
أُجّلت القمة، ثم أُلغيت، وعاد الوفد كما جاء، بأسئلة مفتوحة.
في الكواليس، تعددت التفسيرات، بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي وما هو بروتوكولي،
مرت السنوات، وتبدلت السياقات.
قبل يومين، احتضنت القاهرة لقاءً مغربياً-مصرياً رفيع المستوى، تُوِّج بتوقيع اتفاقيات جديدة.
لكن هذا اللقاء لا يمكن قراءته باعتباره استئنافاً لما انقطع، بل باعتباره تعبيراً عن مرحلة مختلفة.
في 2008، كان المغرب في طور بناء قاعدة صناعية، أما اليوم فقد أصبح فاعلاً صناعياً إقليمياً، مندمجاً في سلاسل إنتاج عالمية، ويتحرك بمنطق الشراكة لا بمنطق البحث عن الأسواق فقط.
وفي 2008، كانت قضية الصحراء تعيش وضعاً أقرب إلى الجمود، أما اليوم فقد دخلت مرحلة دينامية، مع تحولات في مواقف عدد من الفاعلين الدوليين، وتموقع مغربي أكثر وضوحاً.
أما مصر، فقد انتقلت من استقرار سابق إلى مرحلة إعادة بناء الدولة بعد الربيع، لتعود اليوم فاعلاً محورياً في توازنات معقدة، تواجه فيها تحديات داخلية وإقليمية، في مقدمتها ملف مياه النيل.
ضمن هذا التحول، تتغير طبيعة العلاقة.
لم يعد الأمر يتعلق فقط بالتبادل التجاري، بل بتقاطع مصالح بين اقتصادين كبيرين في إفريقيا، لكل منهما موقعه ووظيفته:
المغرب كمنصة صناعية منفتحة، ومصر كسوق واسعة وعمق جغرافي مؤثر.
وفي سياق دولي يتسم بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد التكتلات الإقليمية، يصبح التقارب ليس خياراً ظرفياً، بل ضرورة استراتيجية.
من هذه الزاوية، تبدو الاتفاقيات الموقعة أقل أهمية من دلالتها:
أن ما تأخر في الأمس، قد يجد اليوم شروط تحققه.
حين أستعيد تلك اللحظة في القاهرة، لا أستحضر فقط قمة لم تنعقد، بل زمناً لم يكن قد اكتمل بعد.





