mercredi 8 avril 2026
فن وثقافة

جمال المحافظ: العربي المساري قراءة الماضي والحاضر.. لبناء المستقبل

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
جمال المحافظ: العربي المساري قراءة الماضي والحاضر.. لبناء المستقبل جانب من اللقاء

إن قوة الأمم تكمن في تصالحها مع ماضيها وحاضرها وفي حسن قراءة هذا الماضي والحاضر، حتى يسهل عليها بناء المستقبل بأكبر قدر من النجاح والتقدم، كما خاطب عبد الرحمان اليوسفي ( 1924 – 2020 )  الحاضرين في حفل تكريمه بمناسبة صدور مذكراته " أحاديث فيما جرى" التي أعدها الفاعل الحقوقي والسياسي مبارك بودرقة، ( عباس)، وهو ما ينطبق على هذا اللقاء الذى يفتتح به بيت الصحافة، اليوم الثلاثاء سابع ( 07 ) أبريل 2026، بيتا آخر هو " بيت الكتابة "، يحمل اسم محمد العربي المساري اعترافا بمساره الاستثنائي في دروب الصحافة والإعلام والفكر والمعرفة والتاريخ والدبلوماسية.

 

كيف نحمى السردية الوطنية؟ من صياغة الخبر إلى صناعة التأثير، سؤال توفق كثيرا القائمون على بيت الصحافة في اختياره لموضوع هذه الندوة المتميزة، بمناسبة الذكرى 12 لافتتاح بيت الصحافة بطنجة، وتكريم سي العربي المساري ( 1936 – 2015 )، الذي كان يؤمن قيد حياته، بأن الثقافة والمعرفة والإلمام بالتاريخ الوطني وصيانة الذاكرة حية، والانفتاح في نفس الوقت على أسئلة العصر والتجارب المقارنة، سبيلا للنهوض ليس فقط بالصحافة والإعلام لكن بالمجتمع.

 

eb1e8fd7-731d-46ad-8681-514f0b37c8af.jfif

 

سردية مواطنة 

الحديث عن السردية الوطنية في الوقت الراهن، ارتباطا بالتحولات الراهنة محليا وإقليميا ودوليا، له دلالات متعددة، لكن يطرح في نفس الوقت إشكاليات منها التساؤل حول هل يتعين  أن تكون لنا سردية واحدة أم سرديات متعددة، خاصة في الاعلام. فإذا كانت الوطنية المغربية هي أساس ومبتدأ الديمقراطية والحرية، فإن من شأن الدفاع اليوم عن إنسية مغربية متجددة ، يتعين أن يستحضر إعادة التعريف المتعدد للهوية المغربية، ما يمنحها حصانة ضد الانفلاق والأحادية الانتمائية ، ويسترجع أحد مميزاتها  الأساسية التي برزت منذ بداية الاستقلال، كما جاء في مؤلف "الوطنية المغربية .. تحولات الأمة والهوية " للجامعي الأستاذ حسن طارق  الذي يعرب عن اعتقاده الراسخ بأننا في حاجة الى "وطنية أكثر …مواطنة أكبر".

 

ان سي العربي المساري الذي كان شغوفا بالعلم والمعرفة، تترجم أعماله، ايمانه بالدور الحاسم للصحافة والاعلام في بناء السردية المغربية، لكن من خلال إخضاع هذا القطاع الى إصلاح شمولي خاصة بالسمعي البصري الذي كان يأمل قيد حياته أن يتحول إلى قاطرة للإعلام الوطني.

 

صاحب رسالة

لقد كان الراحل صاحب رسالة، ومشروع كبير للإصلاح، وهو  ما حاول الدفاع عنه حينما كان كاتبا عاما للنقابة الوطنية للصحافة المغربية ما بين 1993 و1998، وبعد تعينه وزيرا للاتصال ما بين 1998 و2000، غير أن جيوب مقاومة التغيير كان لها رأي آخر، وهذا ما وثقه علميا الصديق عبد الجبار الراشيدي الذي رافق المساري في حزب الاستقلال ونقابة الصحافة ووزارة الاتصال في أطروحته المتميزة  لنيل الدكتوراه بعنوان" علاقة الدولة بالإعلام: دينامية الصراع والتحول".    

 

لقد كان المساري يربط مستوى الأداء الإعلامي، ربطا جدليا بالسياقات السياسية والاجتماعية، وهذا مثلا ما نلمسه في عدد من كتباته وآرائه ومواقفه، منها  التقرير الأدبي الذي قدمه حينما كان كاتبا عاما للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، أمام الجمع العام للنقابة سنة 1996، الذى توقع  فيه كسر احتكار الدولة للسمعي البصري، وتكريس مفاهيم التعددية، وتحول الصحافي من ناطق، كما كان سابقا، إلى فاعل وسيكون عليه أن يتسم بالاستقلالية، وأن يخوض ممارسة إعلامية، تتبلور في ظل الشفافية فكريا وماليا وسلوكيا، مما سيعطي وزنا خاصا لضوابط أخلاق المهنة . كما كان يؤكد دوما بأن النهوض بالإعلام رهين كذلك بعصرنة المقاولات، بترسيخ الاحتراف وقبول التحديات التي تصنعها غزارة العرض وتنوعه، بعدما حررت التكنولوجيا الإنسان من التوجيه الواحد والمنع من أي من الوصاية.

 

إعلام قوي

وإذا كانت العصرنة تقوم على مقاولات إعلامية قوية، قادرة على إشباع المتلقي بمعطيات، تمكنه من التفاعل مع بيئته، فإن سي العربي كان يعتبر بأن عدم الأخذ بذلك، قد يؤدي بنا إلى أن نهدي جمهورنا للإعلام الوافد عبر الأقمار الصناعية، حيث لن نجد من يستهلك المادة المحلية، إذا لم ننشئ إعلاما متحررا ديناميكيا معانقا للواقع، إن إعلاما من هذا القبيل هو الكفيل " بأن يجنب البلاد الكوارث التي نراها صباح مساء هنا وهناك، فأن يتحاور المغاربة في الندوات التلفزيونية المفتوحة والمباشرة حول مشاكلهم، خير من أن يتحاوروا بالسكاكين والكلاشينكوف".

 

لقد عودنا العربي المساري، خلال الفترة التي قضيناها الي جانبه بنقابة الصحافة، وكذلك لدى مروره بوزارة الاتصال، انحيازه الكلي وبدون تحفظ لقواعد النزاهة الفكرية والاستقلالية، وتغليب الهواجس المهنية، وربطها بالنضال من أجل توسيع هوامش الحرية والديمقراطية. لذا فالإعلام الوطني، في نظره مطالبا بأن يقوم بدور بارز، إسوة بما يعتمل في البلدان الآخذة بالديمقراطية، بأن التغيير في الإعلام، يتعين أن ينطلق أولا من مصالحة المواطنات والمواطنين مع  أعلامه والتأسيس لإعلام متحرر ديناميكي معانقا للواقع. إن إعلاما من هذا القبيل -كما كان يردد المساري على مسامعنا ويدكرنا باستمرار، حينما كنا نتلمس طريقنا الشاق في مهنة الصحافة في أواسط تسعينات القرن الماضي-  إن تطوير صناعة إعلامية، لا يمكن أن يتحقق الا إذا تم استيعاب كل حلقات انتاج المنبر الاعلامي ابتداء بالعنصر البشرى الذى يتطلب تكوينا مستمرا وضمان الحد الادنى من الكرامة المادية والتوجه إلى القارئ والمستمع والمشاهد كمستهلك لمادة ثقافية.

 

كرسي الأخلاقيات

لقد كان احداث كرسي محمد العربي المساري لأخلاقيات الإعلام والاتصال الذي أطلقه المعهد العالي للإعلام والاتصال سنة 2016،مساهمة في ترجمة جانب رئيسي من انشغالات، المتمثلة في اخلاقيات المهنة الذي يعد رائدها الأول بالمغرب. الكرسي الذي كان منسقه لدى التأسيس بنعيسى عسلون الأستاذ بالمعهد ، يهدف بالخصوص الى تنمية المعرفة العلمية في المهن الإعلامية والتواصلية، خدمةً للرسالة الإعلامية وسمو أهدافها، والإسهام في الرفع من مستوى الوعي بأهمية أخلاقيات المهنة. كما يهتم الكرسي بأخلاقيات العمل الاعلامي والقواعد التي تتعلق بالسلوك المهني وما يحف به من إشكاليات، بفعل انتشار وسائل الاتصال الجديدة.

 

وتميز إحداث كرسي العربي المساري، بعد تعيين أعضاء به ومنسقا لأعماله، وتوفير مكتب خاص به، بدينامية ملحوظة، توجت بتنظيم يوم دراسي، بمشاركة إعلاميين وباحثين وأساتذة جامعيين، قاربوا خلالها مواضيع  أخلاقيات الإعلام بالمغرب، وعلاقة القيم والرهانات بالممارسة الإعلامية وسؤال أخلاقيات الصحافة، والشروط القانونية والقيمية لمهنة الصحافة الاعلام الجديد بين الحرية وقواعد الممارسة المهنية .

 

وفي نفس السياق، تمكن الكرسي من إعداد دورية أكاديمية علمية متخصصة، بعنوان" سند للإعلام"، تهدف إلى تعزيز ثقافة أخلاقيات الصحافة والاتصال وأن تكون فضاء لتبادل وجهات النطر، من منظور علمي صرف، مع تسليط الضوء على أهمية التحديات الملحة التي تفرضها المتغيرات العميقة والمتسارعة التي يشهدها الاعلام والاتصال. وهكذا قارب العدد الأول التجريبي من هذه الدورية، مواضيع الصحافة المغربية، تحولات في الوظيفة المسؤولية وأخلاقيات الصحافة في الفضاء الرقمي و تحدى العالم الافتراضي وأخلاقيات الصحافة.

 

كما انجز دراسة ميدانية أولية في موضوع "وقفة على الواقع الفعلي للممارسة الإعلامية في بعدها الديونطولوجي: إشكاليات ومقاربات السمعي البصري نموذجا".

 

مؤسسة المساري

كان آخر نشاط للكرسي، تنظيم ندوة "أخلاقيات الصحافة في الزمن الرقمي"، المنظمة بشراكة مع المركز المغاربي للدراسات والأبحاث والاعلام في 24 يوليوز 2020، وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة لرحيل المساري. وبهذه المناسبة أتمنى أن يعمل المشرفون على إدارة كرسي العربي المساري، على تفعيل كرسي العربي المساري ".

 

كما يتطلب الأمر التفكير في بعث ديناميات جديدة، منها احداث مؤسسة مستقلة تحمل اسمه، وصيانة ذاكرته، ليس فقط وفاء وعرفانا لرجل وطني استثنائي في مجالات الصحافة والاعلام والفكر والسياسة والدبلوماسية، بل أيضا استثمارا لمنجزه الثري الغني - إن أحسن استثماره- قد يشكل أفضل نبراس يمكن أن نسترشد به خاصة وأننا في زمن تفتقد فيه النزاهة الفكرية وقيم الوفاء والاستقلالية المهنية.

 

حرية وديمقراطية

وإذا كانت الأفكار والمواقف التي دافع عنها قيد حياته تظل حاضرة، في زمن اللايقين، ويزيد من عمقها ملامسته لحقول معرفية تشمل ميادين السياسة والثقافة والتاريخ، فإن  التحولات في الاعلام المغربي على ضوء الثورة التكنولوجية، تثبت بأن الحاجة قائمة لاستعادة فكر العربي المساري واستحضار القيم التي ناضل من أجلها، على الرغم من أن اعلامنا  .."سار دائما وأبدا، على ايقاع تقلبات الوضع السياسي، مطوقا بعدم الاحتكام الى المنطق والقوانين والمفاهيم التي تسيره " بهدف تقديم الخدمة العمومية، وهي الخلاصة التي استنتجها سي العربي المساري  في تقديمه لكتاب" رحلتي مع الميكرفون" للإعلامي الراحل محمد بن ددوش. إن نجاح أي سردية وطنية، خاصة عبر الصحافة والاعلام، يقوم على توسيع هوامش الحرية والديموقراطية، وهو ما يتطلب الدفاع عن " وطنية أكبر ومواطنة ..أكثر" كما جاء في كتاب حسن طارق المشار إليه سابقا .   

 

بدأت في هذه المساهمة باليوسفي الذي كانت له علاقة خاصة بالراحل في " زمن تناوب لم يقع" وسأنهيها بما كتب العربي المساري، في مؤلفه "صباح الخير.. للديمقراطية، للغد "  (منشورات أصدقاء "العلم" بتطوان 1985)، إن " بناء الديمقراطية كتعبيد الطريق، إذ أنك حين تفتح طريقا، ستتيح التواصل بين الناس، وكذلك الأمر حين توجد مؤسسات ديمقراطية مسلم بها، فإنها تكون أداة حوار وتبادل بل تضامن".

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg