لم يكن بلاغ وزارة العدل مجرد إجراء إداري، بل هو بمثابة "بلاغ عسكري" أعلن فيه وهبي الحرب الصريحة على مافيا العقار التي استوطنت ثغرات القانون لسنوات. وفي هذا السياق، فمنذ عقود، والوكالات العرفية أو تلك "المطبوخة" في جنح الظلام، تشكل السلاح الفتاك الذي ذبحت به ملكيات الآلاف من المغاربة، خاصة من "مغاربة العالم" الذين تركوا خلفهم ديارا وأراضي، ليجدوها في الصباح الباكر قد انتقلت إلى ملكية "أشباح" بفضل ورقة وكالة لم يوقعوها يوما. اليوم، وبدخول سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ في فاتح يونيو 2026، يبدو أن الدولة قررت أخيرا أن تضع "الرصاصة الأخيرة" في صدر هذا العبث.
وجدير بالذكر أن هذا السجل أكبر من مجرد "دفتر" إضافي في رفوف المحاكم، بل هو "صمام أمان" رقمي وقضائي. فابتداء من الصيف المقبل، ستصبح أي وكالة تهدف لبيع أو رهن أو تصرف في عقار تحت مجهر الرقابة المركزية. فلن يجرؤ أحد بعد اليوم على استخراج "وكالة من القبر" أو تزوير توقيع شخص يقيم في القارة الأخرى، لأن قاعدة البيانات الموحدة في المحاكم الابتدائية ستكون هي الفيصل.
إنها خطوة مهمة تحسب لوهبي في ترسيخ "الأمن العقاري" الذي طالما كان مطلبا شعبيا وحقوقيا، وتعد تحولا جذريا يجعل من ملكية العقار بالمغرب حصنا منيعا لا يخترق بمجرد "لعبة أوراق" في مكاتب تصحيح الإمضاء.
لكن، وبكل أمانة، هل الطريق مفروش بالورود نحو هذا الفردوس القانوني؟ الواقع يقول إن هناك "مطبات" قد تجعل من هذا الإنجاز واجهة جميلة لبنية إدارية مهترئة. الصعوبة الأولى هي "البيروقراطية الرقمية"، فالمحاكم الابتدائية غارقة أصلا في ملفات لا تنتهي، وإضافة عبء "تقييد الوكالات" قد يحول فضاءات العدالة إلى طوابير لا تنتهي من المواطنين الباحثين عن "باركود" لوكالاتهم، فهل تم تكوين الموارد البشرية بما يكفي للتعامل مع تدفق هائل من الطلبات في فاتح يونيو؟ أم أننا سنسمع الأسطوانة المشروخة "السيستيم طايح" في أول يوم عمل؟
التحدي الآخر يتمثل في "الوكالات القديمة" السارية المفعول. هناك آلاف الوكالات التي تم توقيعها قبل هذا التاريخ وما زالت تستخدم في البيع والشراء. كيف سيتعامل الموظفون مع هذا "الإرث" القانوني؟ هل سيتم فرض رقابة بأثر رجعي، أم أن المافيات ستستغل الشهور القليلة المتبقية ل "تصفية" ما يمكن تصفيته قبل إغلاق القوس؟ كما لا يمكن إغفال "الأمية القانونية" التي تضرب فئات واسعة من الشعب، فالكثيرون لا يعرفون الفرق بين وكالة إدارية ووكالة متعلقة بالحقوق العينية، مما قد يفتح شهية نوع جديد من "الوسطاء" الذين سيبيعون "الوهم" للناس أمام أبواب المحاكم بدعوى تسهيل التقييد في السجل الجديد.
إنها معركة حقيقية لاسترداد هيبة القانون وحرمة الملكية، ووزارة العدل وضعت نفسها أمام امتحان المصداقية. نجاح هذا السجل يعني نهاية حقبة "السطو الناعم"، وفشله يعني أن المافيا ما زالت أقوى من "خوارزميات" الإصلاح. المواطن اليوم ينتظر أفعالا لا بلاغات، وينتظر محكمة "ذكية" تحميه، لا إدارة "معقدة" تعرقل مصالحه وتجعله لقمة سائغة في يد من لا يرحمون.
خالد أخازي، كاتب وإعلامي





