mardi 7 avril 2026
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: المغرب والحرب الجارية في المشرق العربي

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
عبد القادر زاوي: المغرب والحرب الجارية في المشرق العربي عبد القادر زاوي

دخلت الجولة الجديدة من الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران والميليشيات التابعة لها من جهة أخرى شهرها الثاني دون أن تلوح في الأفق أي بوادر على وقفها رغم العديد من التصريحات المتفائلة الصادرة عن بعض أطراف هذه الحرب، ورغم تعدد المساعي الحميدة من قوى دولية وإقليمية تأثرت وتتأثر بشكل سلبي من استمرار هذه الحرب، ولذلك ترغب في التوصل على الأقل إلى هدنة ولو مؤقتة.

والواضح من كل المؤشرات الواردة من العواصم المعنية، وتلك المعبر عنها في ساحة المعارك أن أطراف هذه الحرب تسعى إلى أن تكون هذه الجولة حاسمة في تحقيق أهدافها المتباينة عكس الجولة السابقة التي جرت في يونيو 2025، واستغرقت 12 يوما دون أن تدفع أي طرف إلى تغيير سياساته أو توجهاته. ولأنها جولة الحسم كما يبدو من إصرار أطرافها فهي مرشحة لأن تطول أكثر، حتى لو تخللتها هدنة مؤقتة، وذلك لأن مجموعة من العوامل، يمكن إجمالها فيما يلي، تعمل على تغذية التعنت في مواقف كل من طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.

1/ استمرار المواجهات العسكرية بالأسلحة الجوية فقط (طائرات حربية، مسيرات، صواريخ باليستية متوسطة وبعيدة المدى)، علما بأن الحروب غالبا ما تحسم على الأرض وبالقوات البرية، كما أثبتت التجربة مع نظام صدام حسين الذي لم يسقط بالضربات الجوية التي تلقاها إثر غزوه للكويت سنة 1990، وإنما بعد الاجتياح البري للعراق سنة 2003.

2/ تعنت الأطراف المتحاربة، وخاصة إسرائيل وإيران وتصميم كل منهما على تحقيق أهدافه كاملة من دون أي تنازل يذكر، انطلاقا من أن أي طرف لا يريد أن يمنح للطرف الآخر بالدبلوماسية والمفاوضات ما لم يستطع أن يأخذه أو يفرضه بكثافة استخدام القوة العسكرية.

3/ حجم الخسائر البشرية الكمية والنوعية مثل مقتل المرشد الأعلى وكبار القادة العسكريين في إيران، ناهيك عن جسامة الأضرار المادية الاقتصادية والتجارية والمالية والاجتماعية والنفسية التي لا تتكبدها الأطراف المتحاربة وحدها، وإنما تتكبدها أطراف إقليمية أخرى مثل دول الخليج العربية التي وجدت نفسها محشورة بين مطرقة أمريكا وإسرائيل من جهة وبين سندان إيران من جهة أخرى، كما يتكبدها الاقتصاد العالمي برمته.

4/ تمدد ساحات المواجهة واتساع رقعة الصراع لتشمل كافة دول الخليج التي استهدفتها إيران مباشرة أكثر من استهدافها لإسرائيل، فضلا عن اشتعال الساحة اللبنانية وأجزاء كبيرة من الساحة العراقية دون الحديث عن شظايا الحرب التي أصابت كلا من تركيا وأذربيجان، وعن دخول الحوثيين في اليمن إلى أتون الصراع بطريقتهم الخاصة، وفي النطاق الجغرافي الذي يصل إليه تأثيرهم.

5/ إصرار أطراف الحرب على حشر الوازع الديني في خطاباتهم الإعلامية من أجل حشد الجماهير وتعبئتها وللتأثير في الرأي العام الدولي. ففي الوقت الذي تدعي إسرائيل ومعها المسيحية الصهيونية أن هذه المواجهة تمثل فرصة سانحة لتسريع رجوع المسيح المخلص، تروج إيران خرافة تقول بأن هذه الحرب خطوة في اتجاه تعجيل عودة المهدي المنتظر.

وغير خاف على أحد أن حربا تدور بين أطراف متعنتة وطموحة ومعتدة بنفسها وبما تملك من عناصر القوة العسكرية والمالية، وعلى أساس رهانات كبيرة ومصيرية متضاربة لن تظل انعكاساتها السلبية محصورة في نطاقها الجغرافي الشرق أوسطي، ولكنها تطال العالم كله كما اتضح من خلال الارتفاع الصاروخي الذي عرفته أسعار الطاقة بمجرد انطلاق الرصاصة الأولى، وهو ارتفاع انعكس مباشرة على كافة المواد التموينية نتيجة ما عرفته سلاسل التوريد المختلفة من اضطرابات وزيادات مهولة في أسعار النقل والتأمين، وخاصة بعد إغلاق مضيق هرمز.

وعلى غرار باقي دول العالم، فإن المغرب بدوره تأثر مباشرة وبقوة من هذه الانعكاسات السلبية، التي تجسدت في زيادات متتالية ومعتبرة في أسعار البنزين بنوعيه، وهي زيادات لم تتأخر في الانعكاس على أسعار باقي المواد الاستهلاكية والنقل وغيرهما. ومن غير المستبعد أن تشمل هذه الانعكاسات أيضا تقلصا محتملا في حجم الاستثمارات الخارجية المرتقبة، وخاصة تلك المنتظرة من الصناديق السيادية الخليجية نظرا لما تعيشه دول تلك المنطقة من تحديات أمنية وما لحق اقتصادياتها من أضرار جسيمة نتيجة العدوان الإيراني المتكرر على بنياتها الاقتصادية المختلفة.

ولكن أخطر انعكاس سلبي محتمل يتطلب الاستعداد له، خاصة إذا ما تواصلت الحرب وطال أمدها هو ذلك المتمثل في اضطرار آلاف المواطنين المغاربة المقيمين بدول الخليج والدول المجاورة لها إلى مغادرة المنطقة ؛ الأمر الذي يفرض أن تكون لدى السلطات من الآن خطة عملية للقيام بإجلائهم عند الاقتضاء ؛ خطة تتضمن كيفية تأمين الوسائل اللوجيستية المطلوبة في مثل هذه الحالات، وتهيئة ظروف التواصل دبلوماسيا وبسلاسة مع سلطات بلدان المنطقة، ومع المنظمات الدولية ذات الصلة للاستفادة من مساعدتها عند الضرورة.

ومع ذلك، فإن هذه الحرب توفر أيضا بعض الفرص الإيجابية التي ينبغي الاستفادة منها على أساس المنفعة المتبادلة، خاصة مع الدول العربية الخليجية الشقيقة، التي ثمنت عاليا المواقف السياسية والعملية المغربية المساندة لها ضد الأعمال العدوانية الإيرانية التي تتعرض إليها، والتي أبدت وما تزال إرادة راسخة في الاستثمار في المشاريع المغربية التنموية الكبرى، كميناء الناضور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، ناهيك عن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا/ المغرب.

وغني عن الذكر أن هذه المواقف المغربية الداعمة لدول الخليج العربية دون أي تحفظ ليست مواقف ظرفية، وإنما مبدئية وذات جذور تاريخية تنطلق من أن كل طرف يرى في الطرف الآخر ذخيرة استراتيجية له. لذا من الضروري في هذه الظروف العصيبة شروع الجهات المغربية المختصة في ترجمة هذه المواقف التي حظيت بتقدير خليجي كبير من خلال إيفاد وفد وطني واسع التشكيل إلى العواصم الخليجية الممكن الوصول إليها يضم سياسيين وعسكريين وبرلمانيين وممثلين عن بعض مؤسسات المجتمع المدني المهنية والاقتصادية لتبيان أن المغرب بمعظم أطيافه يقف إلى جانب أشقائه في دول الخليج، التي يبدو من الواجب أيضا الإعلان عن دعمها لتكون حاضرة على مائدة أي مفاوضات مرتقبة بين الأطراف المتحاربة باعتبارها الجهة الأكثر تضررا مما حصل على جميع الأصعدة الاقتصادية والأمنية والإنسانية.  

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg