في سياق تصاعد الاحتجاجات التي أعلن عنها التنسيق النقابي الثلاثي بوزارتي التجهيز والماء والنقل واللوجستيك، كشف محمد الرويندي، الكاتب العام للنقابة الوطنية للأرصاد الجوية، عن اختلالات عميقة تطبع مسار الحوار الاجتماعي داخل القطاعين، معتبراً أن الأوضاع الحالية، خاصة ما يتعلق بعمال "الشساعة" وإقرار نظام أساسي خاص، تعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول الدولة الاجتماعية والواقع المهني لعدد من الفئات.
وأوضح الرويندي أن البرنامج النضالي الذي يشمل إضرابات أسبوعية كل ثلاثاء في شهر ابريل2026، ووقفتين مركزيتين امام مقر الوزارتين بالرباط يوم الثلاثاء 28 ابريل2026، لم يكن خياراً أولياً، بل جاء بعد استنفاد جميع سبل الحوار، مشيراً إلى أن المفاوضات استمرت لأكثر من سنة ونصف داخل قطاع التجهيز والماء، وأسفرت عن بعض النتائج الجزئية، من بينها تسوية ملف الترقية بالاختيار وإصدار مذكرة الانتقالات، غير أن الملفات الكبرى، خصوصاً ذات الكلفة المالية، ظلت عالقة دون حلول.
وصف المسؤول النقابي الذي حل ضيفا على برنامج "شؤون نقابية" بقناة "أنفاس بريس "، الوضع داخل وزارة النقل واللوجستيك بـ"الأكثر تعثراً"، في ظل غياب ثقافة مؤسساتية للحوار الاجتماعي، حيث يتم تدبيره بشكل متقطع و"مزاجي"، دون انتظام أو التزام واضح بمعالجة الملفات المطروحة، وهو ما عمّق حالة الاحتقان داخل القطاع.
وأرجع الرويندي جزءاً من هذه الاختلالات إلى قرار فصل القطاعين بعد انتخابات 2021، بعدما كانا يشكلان وحدة واحدة، معتبراً أن هذا التقسيم أفرز صعوبات على مستوى تدبير الموارد البشرية وأثر سلباً على دينامية الحوار، خاصة داخل قطاع النقل.
وبخصوص النظام الأساسي، كشف المتحدث أن النقابات قدمت تصورات طموحة في البداية تروم إصلاحاً شاملاً، قبل أن تضطر إلى تقليص سقف مطالبها والتركيز أساساً على تحسين التعويضات، غير أن المشروع المتوافق حوله مع الوزارة ظل معلقاً على مستوى الحكومة، دون توضيحات رسمية، رغم الإقرار بأهميته في تحفيز الموظفين وتحقيق العدالة مع نظرائهم في قطاعات أخرى.
وفي معرض حديثه عن طبيعة العمل داخل القطاع، شدد الرويندي على أن موظفي التجهيز والماء، إلى جانب الأرصاد الجوية، يؤدون مهام حيوية ترتبط بالبنية التحتية والأمن المناخي، سواء في الظروف العادية أو خلال الكوارث الطبيعية، من فيضانات وزلازل، وهو ما يجعلهم في "الصفوف الأمامية" لخدمة المواطنين.
غير أن أبرز نقطة أثارها المسؤول النقابي تتعلق بوضعية "عمال الشساعة"، الذين وصفهم بأنهم الحلقة الأضعف داخل المنظومة.
وأوضح أن هؤلاء العمال، الذين يتم تشغيلهم في إطار خصوصية العمل بالأوراش، تحولوا عملياً إلى قوة عمل دائمة، يشتغلون في ظروف قاسية، أحياناً على مدار الساعة، دون أن يستفيدوا من أي إطار قانوني ينظم وضعيتهم.
وأكد الرويندي أن هذه الفئة تعاني من غياب التغطية الصحية والتقاعد، ومن أجور تقل في بعض الحالات عن الحد الأدنى للأجور، رغم اشتغالهم في مهام خطرة، مثل إزالة الثلوج وفتح الطرق وإزاحة الرمال، مشيراً إلى وجود حالات لعمال قضوا سنوات طويلة في العمل دون أي حماية اجتماعية، بل إن بعضهم توفي أثناء أداء مهامه دون أن تستفيد أسرهم من أي تعويض.
واعتبر أن هذا الوضع "لا ينسجم مع توجهات الدولة الاجتماعية"، داعياً إلى إدماج هذه الفئة وتسوية وضعيتها بشكل عاجل، خاصة وأن عددهم، بحسب تقديراته، لا يتجاوز 1700 إلى 1800 عامل، وهو رقم يمكن تدبيره مالياً، رغم ما وصفه بـ"الفيتو" الصادر عن وزارة المالية.
كما شدد على أن النقابات، رغم عدم إمكانية تأطير هؤلاء العمال قانونياً، تبنت ملفهم من منطلق إنساني ومهني، وجعلته ضمن أولوياتها في الحوار مع الوزارة.
وفي ما يتعلق بتوقيت الإضراب، أوضح الرويندي أن النقابات كانت قد قررت تأجيل خطوة التصعيد في وقت سابق مراعاةً للظروف الوطنية المرتبطة بالفيضانات، غير أن غياب أي تجاوب ملموس من الجهات المعنية دفعها إلى تفعيل البرنامج النضالي.
وأكد محمد الرويندي، الكاتب العام للنقابة الوطنية للأرصاد الجوية، أن النقابات لا تزال متمسكة بخيار الحوار، لكنها تشترط هذه المرة توفر إرادة حقيقية لمعالجة الملفات العالقة، وعلى رأسها النظام الأساسي وملف عمال الشساعة، داعياً الحكومة إلى تحمل مسؤوليتها في إنصاف هذه الفئة التي تشتغل، بحسب تعبيره، "في صمت، لكنها تحمل جزءاً أساسياً من أعباء المرفق العمومي".
رابط الفيديو هنا 👇





