vendredi 3 avril 2026
كتاب الرأي

بنسعيد الركيبي: الالتقائية الترابية وإعادة بناء وظائف مؤسسات الشباب

86205295-1f8c-48c0-b9e3-a79cc8801b79.jpg
بنسعيد الركيبي: الالتقائية الترابية وإعادة بناء وظائف مؤسسات الشباب بنسعيد الركيبي

في زمن تتسارع فيه التحولات الإجتماعية وتتغير فيه انتظارات الأطفال والشباب بشكل عميق، تبرز مؤسسات الشباب كأحد أبرز المؤشرات على قدرة السياسات العمومية على مواكبة هذه التحولات وصناعة أثر ملموس في حياة الأجيال الصاعدة. فضاءات أنشئت لتكون حاضنة للتنشئة والتأطير والتعبير، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي يرتبط بمدى قدرتها على تجديد وظائفها واستعادة دورها داخل مجتمع يعيد تشكيل أولوياته بسرعة.

 

وفي هذا السياق، يفرض مفهوم الإلتقائية الترابية نفسه كمدخل استراتيجي لإعادة بناء هذه الوظائف، ليس باعتباره شعارا تنظيميا عابرا، وإنما كخيار يعيد ترتيب العلاقة بين الفاعلين ويمنح النطاق الترابي مكانته كمجال حي لإنتاج السياسات وتنزيلها. فالواقع الميداني يكشف بوضوح أن تعدد المتدخلين دون تنسيق فعلي يؤدي إلى تشتيت الجهود وتكرار البرامج واستنزاف الموارد، بينما يفتح العمل ضمن منطق ترابي مندمج أفقا جديدا لتكامل الأدوار وبناء أثر تربوي ممتد.

 

وداخل هذا الأفق، تتحول الجماعات الترابية إلى فاعل مركزي يساهم في إدماج مؤسسات الشباب ضمن مشاريع التنمية المحلية، ويغدو قطاع الشباب مطالبا بإعادة بناء هندسة تدخلاته بما ينسجم مع الخصوصيات المجالية، في حين يرتقي المجتمع المدني إلى موقع الشريك الذي يشتغل بمنطق المشروع والنتائج ويؤطر تدخله برؤية واضحة. وهذا التحول في توزيع الأدوار من شأنه أن يفتح النقاش حول طبيعة الوظائف التي يفترض أن تضطلع بها مؤسسات الشباب في المرحلة القادمة، حيث تتجه الحاجة نحو تجاوز منطق الأنشطة الظرفية إلى بناء مسارات للتأهيل والتمكين، وترسيخ فضاءات لتعلم المواطنة، وتنمية الكفايات الحياتية وتعزيز روح المبادرة. وضمن هذا التصور تتقاطع مؤسسات الشباب مع المدرسة لتشكل ملامح منظومة متكاملة للتربية النظامية الموازية، قادرة على إنتاج أثر تربوي مستمر ومندمج في المجال الترابي.

 

وقد يطرح تساؤل مشروع حول مدى قابلية هذا النموذج للتنزيل في ظل تعقيد العلاقات بين الفاعلين وتداخل الاختصاصات، غير أن التجارب الناجحة تؤكد أن وضوح الأدوار واعتماد آليات تعاقدية دقيقة وإرساء نظم فعالة للتتبع والتقييم كفيلة بتحويل هذا التعقيد إلى مصدر قوة ودينامية. فالرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من منطق التدبير القطاعي المنعزل إلى نموذج حكامة ترابية مندمجة تجعل من المجال الترابي وحدة أساسية للتخطيط والتنفيذ والتقييم، وتمنح لمؤسسات الشباب إمكانية التحول إلى فضاءات منتجة للقيم والمعرفة والاندماج الاجتماعي. وبهذا المعنى، تتجاوز الالتقائية الترابية حدود التنسيق التقني لتصبح أداة لإعادة بناء الفعل العمومي في مجال الطفولة والشباب، ورافعة لإنتاج سياسات أكثر انسجاما ونجاعة ومجالا لإعادة الاعتبار لدور هذه المؤسسات داخل المشروع المجتمعي.

 

ومن داخل هذا التحول، يتشكل رهان أكبر يرتبط بقدرة الفاعلين على الانتقال من خطاب يقر بمركزية الشباب إلى ممارسة مؤسساتية تعيد بناء أدوات التأطير والتنشئة وفق رؤية متجددة، تجعل من كل تراب مختبرا حيا للابتكار التربوي، ومن كل مؤسسة شبابية فضاء لإنتاج المعنى وتعزيز الانتماء وصناعة المستقبل.

41c91dc3-d726-4984-aa3d-cd55c6241bec.jpg

 

d892c265-c1bc-4740-be0d-1a706de572a5.jpg