jeudi 26 mars 2026
كتاب الرأي

عبد الرفيع حمضي: هنا لندن.. الدين والسياسة.. سؤال الحدود

عبد الرفيع حمضي: هنا لندن.. الدين والسياسة.. سؤال الحدود عبد الرفيع حمضي

بقاعة تشرشل بمجلس العموم البريطاني، ينعقد اليوم، 26 مارس، لقاء دولي قد يبدو محدودا من حيث الشكل وبدون هالة إعلامية لكنه عميق من حيث أبعاده المتعددة. حيث سينكب المشاركون، القادمون من مختلف الدول، على بحث مسألة كيفية وضع معايير واضحة لرسم حدود دقيقة بين الدين والسياسة، بما يضمن حماية الدين من التوظيف السياسي، وصون المجال العام من أي استعمال يفضي الى التمييز او المساس بالمساواة. كما يندرج هذا اللقاء في اطار مسعى دولي يروم بلورة قواعد ومعايير مشتركة لحظر الاستغلال السياسي للدين، ضمن مقاربة تقوم على التمييز بين حرية المعتقد من جهة، وتوظيف الدين لاغراض سياسية من جهة اخرى.


المبادرة التي تقودها مؤسسة BPUR International، بدعم من فاعلين برلمانيين دوليين، تنطلق من مدخل حقوقي واضح. فهي لا تستهدف الدين في ذاته، ولا تدعو الى تحييده، بل تسعى الى بناء اطار تنظيمي دولي يحدد بشكل دقيق الفاصل بين حرية الدين او المعتقد، كما كرسته المواثيق الدولية، وبين توظيف الدين كاداة سياسية تبرر التمييز او تقوض مبدأ المساواة. وبهذا المعنى، فهي لا تضيف حقا جديدا بقدر ما تسعى الى سد فراغ قائم في المنظومة القانونية الدولية.


ولفهم اهمية هذا التوجه، يكفي الرجوع الى التجارب التاريخية. فقد عرفت مجتمعات عديدة اشكالا مختلفة من الاستغلال السياسي للدين، حيث تحولت الخلافات الدينية في بعض المراحل الى صراعات على السلطة. ولم يكن تجاوز هذه الوضعيات نتيجة اقصاء الدين، بل ثمرة مسارات طويلة اعادت تنظيم العلاقة بينه وبين الدولة، بما يضمن الحرية ويحد من التوظيف السياسي.


انطلاقا من ذلك، تقوم هذه المبادرة على فكرة اساسية مفادها ان حماية حرية الدين لا تكتمل الا بوضع ضوابط واضحة لاستعماله في المجال السياسي. ولذلك، فان النقاش لم يعد يقتصر على التاكيد على المبادئ، بل اصبح يتجه نحو صياغة تعريفات دقيقة لمفهوم الاستغلال السياسي للدين، والعمل على تطوير ادوات قانونية قابلة للتفعيل على المستوى الدولي.


وقد تطور هذا النقاش بشكل تدريجي، من خلال سلسلة من المشاورات على المستويين القطري والجهوي، ساهمت في توضيح المفاهيم وتدقيقها. كما اظهرت هذه المشاورات اهمية التمييز بين التعبير المشروع عن الهوية الدينية، وبين التوظيف السياسي الذي يؤدي الى الاقصاء او تقييد الحقوق.


وفي السياق الدولي الراهن، تزداد اهمية هذا النقاش. فالتداخل بين الديني والسياسي اصبح عاملا مؤثرا في عدد من الازمات، حيث يتم توظيف الدين لاضفاء طابع مطلق على صراعات يمكن ان تظل، في اصلها، قابلة للتدبير السياسي، وهو ما يجعل الحاجة ملحة الى وضع قواعد واضحة تحد من هذا التوظيف.


من هذا المنطلق، تهدف المبادرة الى اعادة تنظيم العلاقة بين المجالين، على اساس قانوني يوازن بين ضمان الحرية ومنع الاستغلال. فهي لا تسعى الى اقصاء الدين من الفضاء العام، بل الى حمايته من ان يتحول الى اداة للصراع او وسيلة للمساس بالحقوق.


وفي هذا السياق، لا ينطلق النقاش من فراغ، بل يستند الى تجارب سابقة حاولت معالجة هذه الاشكالية من زوايا مختلفة، سواء على المستوى الدولي او داخل سياقات ثقافية محددة.


وفي هذا الاطار، يبرز استحضار اعلان مراكش لحقوق الاقليات الدينية 2016، خاصة مع مرور عشر سنوات على صدوره. فقد شكل هذا الاعلان مرجعية مهمة في هذا المجال، من خلال ما قدمه من تاصيل فكري ومعياري لحماية الاقليات الدينية في البلدان ذات الاغلبية المسلمة، ضمن مقاربة تستند الى مرجعيات داخلية.


ورغم طابعه غير الملزم قانونيا، فقد اسهم اعلان مراكش في ترسيخ مبادئ وتوجيهات شكلت ارضية للنقاش الدولي حول هذه القضايا. وياتي النقاش الجاري اليوم في لندن في امتداد هذا المسار، من خلال التفكير في سبل ترجمة هذه المبادئ الى قواعد قانونية دولية اكثر وضوحا وقابلية للتفعيل.


ولا يخلو هذا المسار من تحديات، بالنظر الى اختلاف النماذج القانونية والسياسية بين الدول. غير ان اهمية هذا النقاش تكمن في كونه يفتح افقا جديدا للتفكير في كيفية تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة ضمن اطار قانوني مشترك.


وفي عالم يتسم بتزايد التعقيد، فان وضع حدود واضحة لهذا التداخل لم يعد خيارا نظريا، بل ضرورة عملية لحماية الحقوق، وضمان استقرار المجتمعات، وصون الدين من كل استعمال يخرجه عن مقاصده.

 

1875ead0-3701-4acf-8274-da2dd0d0dac0.jpeg