samedi 28 mars 2026
94b236ee-55fe-48e2-a6da-927a71b2e866.jpg
كتاب الرأي

فتح الله حافظي: حين تُصادِر الدولة الزمن: ساعةٌ إضافية أم سلطةٌ إضافية؟

فتح الله حافظي: حين تُصادِر الدولة الزمن: ساعةٌ إضافية أم سلطةٌ إضافية؟ فتح الله حافظي

لم تعد “الساعة الإضافية” مجرد تعديل تقني في عقارب الزمن، بل تحوّلت إلى عنوان صريح لكيف تُدار الشؤون العامة حين يغيب النقاش ويُستبدل بالإملاء. نحن لا نختلف اليوم حول توقيت صيفي أو شتوي، بل نختلف حول سؤال أبعد: من يملك حق التحكّم في زمن المغاربة؟ أهي سلطة تُقرّر وتُخبر، أم مجتمع يُناقش ويُشارك؟
وللتذكير فقط، فإن هذا “الاستثناء الدائم” لم ينزل من السماء، بل كان أحد أبرز “إنجازات” حكومة برئاسة ملتحية، حين صادقت حكومة سعد الدين العثماني سنة 2018 على مرسوم يثبت التوقيت الصيفي طيلة السنة. هكذا، وبجرة توقيع، تحوّل الزمن من نظام موسمي قابل للنقاش إلى واقع دائم مفروض، دون أن يُطرح السؤال البسيط: هل المجتمع مستعد فعلًا لهذا التحوّل؟
وفي هذا السياق، فإن تصريح فاطمة الزهراء التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كشفًا لخلل بنيوي: إجراء إداري محدود جرى تضخيمه ليصبح سياسة يومية دائمة، تُعيد تشكيل إيقاع الحياة دون تفويض حقيقي، ودون نقاش عمومي يُعتدّ به.
أيُّ استخفاف هذا حين يُطلب من الناس إعادة برمجة نومهم، عملهم، مدارس أبنائهم، وحياتهم الأسرية، فقط لأن قرارًا ما اعتُبر “الأصلح”، دون أن تُقدَّم معطيات كافية تُقنعهم؟ أيُّ منطق هذا الذي يجعل ملايين المغاربة يستيقظون في عتمة الصباح، ثم يُطلب منهم أن يثقوا في جدوى لم تُشرح لهم أصلًا؟
السلطة هنا لا تكتفي باتخاذ القرار، بل تُصرّ على احتكار تفسيره. لا دراسات منشورة بشكل شفاف، لا تقييم دوري مُعلن، ولا حتى اعتراف صريح بوجود كلفة اجتماعية ونفسية يدفعها المواطن يوميًا. فقط إصرار بارد على الاستمرار، وكأن التراجع خطيئة، وكأن الاعتراف بالخطأ أخطر من الخطأ نفسه.
وفي قلب هذا الجمود، تطفو العريضة الإلكترونية كأنها حجر صغير يُلقى في ماء راكد. قد لا تُغيّر القرار فورًا، لكنها تُربك شيئًا أعمق: السردية الرسمية.
حين تُطالب بالعودة إلى “الساعة القانونية”، فهي لا تطرح بديلًا تقنيًا فحسب، بل تُحرج الخطاب القائم:
إذا كانت هناك ساعة قانونية، فبأي شرعية تستمر هذه الساعة المفروضة؟
وهل نحن أمام استثناء مؤقت تحوّل، بصمت، إلى قاعدة دائمة؟
هنا يكمن القلق الحقيقي، لا في التوقيت ذاته، بل في منطق التدبير. لأن ما يُفرض اليوم باسم التنظيم قد يُفرض غدًا باسم الضرورة، وبعد غدٍ باسم الواقع. وهكذا، يتحوّل الاستثناء إلى عادة، والقرار إلى قدر.
العريضة، إن بقيت مجرد أرقام، فلن تُحرّك ساكنًا. لكنها إن تحوّلت إلى قضية رأي عام، إلى نقاش يُحرج، إلى سؤال يتكرّر بإلحاح، فقد تُجبر الصمت على التراجع خطوة. لا لأنها أقوى من القرار، بل لأنها تكشف هشاشته أمام سؤال بسيط: لماذا؟
المشكلة، في جوهرها، ليست في ستين دقيقة تُضاف أو تُحذف، بل في ستين دقيقة من الفراغ الديمقراطي، حيث يُتخذ القرار دون مساءلة، ويُفرض دون إقناع. الزمن هنا لم يعد مجرد إطار لتنظيم الحياة، بل صار أداة لقياس المسافة بين الدولة والمجتمع.
وحين يشعر المواطن أن زمنه يُدار دون صوته، فإن الخسارة لا تُقاس بساعة، بل تُقاس بثقة تتآكل بصمت.
السؤال اليوم لم يعد: أي ساعة نعتمد؟
بل: كيف نُعيد الزمن إلى أصحابه؟
وكيف نُقنع سلطة اعتادت أن تُقرّر وحدها، أن الزمن، مثل الحرية، لا يُمنح… بل يُناقش؟