من وجهة نظر تيار "اليسار الجديد المتجدد"، النقاش الدائر اليوم داخل الحزب لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بأسلوب تدبير الحزب وفاعلية مؤسساته الداخلية، وما كشف عنه المؤتمر الأخير من اختلالات تنظيمية وتجاوزات كان يمكن تفاديها لو التزم الجميع بالقوانين الداخلية وروح الديمقراطية. هذه التجاوزات لم تكن مجرد تفاصيل إدارية، بل كشفت عن أزمة عميقة على المستوى التنظيمي والسياسي داخل الحزب، وأظهرت مدى ضعف الآليات الداخلية في ضمان احترام التعددية وحق الأعضاء في التعبير والمبادرة.
شهد المؤتمر الخامس للحزب خروقات جسيمة، تمثلت في التلاعب بقوانين الحزب، بما في ذلك إيداع القوانين قبل المصادقة عليها، وانبثاق لجنة تحكّم داخل الحزب بطريقة غير قانونية، بالإضافة إلى عدم تطبيق القوانين المسيرة للحزب. كما تعرّض عدد من الرفاق في أوروبا للمضايقة، ولم يتم الرد على مراسلاتهم، بل تم اعتبار أعضاء جهة أوروبا أعضاء بالصفة فقط، وليسوا أعضاء كاملين في المجلس الوطني. كل هذه التجاوزات كانت كافية لتوحيد مناضلي أوروبا للوقوف ضدها، بالتنسيق مع مناضلي الداخل الغاضبين، بهدف إعادة الحزب إلى مساره الصحيح وترسيخ الديمقراطية الداخلية.
لاحقًا، ساهم رفاق المهجر في تأسيس أرضية "اليسار الجديد المتجدد"، كتيار يهدف إلى الإصلاح والتصحيح، وليس الانشقاق، وضمت هذه المبادرة في صفوفها العديد من الغاضبين وأولئك الذين جُمّدوا عضويتهم داخل الحزب بعد المؤتمر. الأرضية الفكرية التي قدمها التيار، والتي شارك فيها حوالي 40 رفيقًا ورفيقة من أعضاء المجلس الوطني ومناضلين داخل الوطن وخارجه، جاءت بعد احترام جميع المساطر القانونية، بما في ذلك إرسالها إلى لجنة التحكيم والهيئات المعنية منذ أكتوبر 2025، دون تلقي أي رد رسمي ضمن الآجال القانونية، رغم عرضها ومناقشتها داخل المجلس الوطني.
إن حق تكوين التيارات داخل الحزب، سواء قبل انعقاد المؤتمر أو بين مؤتمرين، هو حق مكفول بالقوانين الداخلية، وليس مجرد امتياز أو امتداد شخصي. ومن المؤسف أن القيادة الحالية تتعنت في الاعتراف بهذا الحق، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بالديمقراطية الداخلية ومبادئ الشفافية والحكامة.
التجربة العملية أظهرت أيضًا أن القيادة تميل أحيانًا إلى التضييق على الأصوات المعارضة أو المخالفة، رغم أن هذه الأصوات تشكل جزءًا أساسيًا من أي ممارسة ديمقراطية حقيقية. الصوت المعارض ليس تهديدًا، بل هو عنصر ضروري لضمان الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وللكشف عن أي خروقات قد تصدر عن الأجهزة القيادية أو اللجان التابعة لها.
نحن نرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في أسلوب التسيير التحكمي الذي لا يستمع بالشكل الكافي لمقترحات الحل، رغم حرصنا الدائم على الحوار والمرونة والدعوة للتفاهم لتجاوز الخلافات. بل بادرنا إلى دعوة حكماء داخل الحزب للتدخل والمساهمة في إيجاد مخرج، إيمانًا بروح الرفاقية ووحدة التنظيم، غير أن الإشكال ظل قائمًا أساسًا بسبب نهج القيادة الذي لم يضع مصلحة الحزب فوق أي اعتبار.
من منظورنا، ما يحتاجه الحزب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو الهجوم على الأشخاص، بل فتح نقاش مسؤول وجاد يعيد الاعتبار للقوانين الداخلية، ويضمن احترام التعددية والحق في التعبير، ويعيد الثقة بين مكونات الحزب، خدمة لمستقبله ودوره داخل المجتمع. النقاش يجب أن يشمل جميع المحاور: التجديد الفكري للتيار اليساري، تعزيز الديمقراطية الداخلية، تطوير الخطاب السياسي بما يلامس قضايا المواطنين، صياغة بدائل اقتصادية واجتماعية عادلة، وحماية حقوق كل مناضل ومناضلة في التعبير عن آرائه والمساهمة في بناء الحزب.
من وجهة نظرنا، نجاح أي دينامية تجديدية يتطلب الالتزام بالشفافية والمحاسبة، وتمكين التيارات والمبادرات الفكرية من العمل ضمن إطار الحزب وليس خارجه، ووضع مصلحة التنظيم فوق أي مصالح شخصية أو ضيقة. بدون هذه والشروط، سيكون من الصعب على الحزب مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية القادمة، وتحقيق أي إصلاح حقيقي على الصعيد الفكري أو التنظيمي أو السياسي.
محمد السلامي ، عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد عن جهة اوروبا
عضو التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد
