الجمعة 4 إبريل 2025
كتاب الرأي

عماد عادل: من 0.4 إلى 13.. ملايير دعم استيراد الأغنام والأبقار تتطاير بين الوزراء

عماد عادل: من 0.4 إلى 13.. ملايير دعم استيراد الأغنام والأبقار تتطاير بين الوزراء عماد عادل
حكومة مرتبكة بأربع روايات وأرقام متضاربة
« كأننا أمام أربع حكومات داخل حكومة واحدة. فبينما يؤكد بركة ومزور أن الدعم بلغ 13 مليار درهم وذهب إلى 18 مستوردًا، يصر الطالبي العلمي على أن الرقم لا يتجاوز 300 مليون درهم، استفاد منه 100 مستورد. أما وزارة المالية، فتحدد الكلفة في 13.3 مليار درهم، موزعة على 277 مستوردا، فيما يرى بواري أن الكلفة لم تتعد 0.4 مليار درهم، استفاد منها 156 مستوردا.»
 
أرقام متضاربة، تصريحات متناقضة، وحكومة تائهة بين أرقام وزرائها المتطايرة، تلك هي الصورة التي يرسمها الجدل المشتعل حول ملف استيراد الأغنام والأبقار، حيث تحولت الفضيحة إلى مرآة تعكس ارتباك السلطة التنفيذية وعجزها عن تقديم معطيات دقيقة ومنسجمة، وكأن الأمر يتعلق بحكومات متعددة لا بحكومة واحدة.
 
كل شيء بدأ حينما أطلق نزار بركة، وزير التجهيز والماء، قنبلة مدوية من داخل الحكومة، حين كشف أن مستوردي الأغنام حققوا أرباحا طائلة تصل إلى 13 مليار درهم. لم يكن بركة وحده في هذا التصريح، بل سانده رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، في تأكيد هذه الأرقام. غير أن هذا الرقم سرعان ما وجد من يفنده داخل نفس الفريق الحكومي، إذ خرج رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، لينفي هذا الرقم جملة وتفصيلا، مشددا على أن إجمالي الدعم المالي 300 مليون درهم لا غير وعدد المستفيدين 100 مستورد لا 18.
 
وفي خضم هذا السجال الصاخب، قررت وزارة الاقتصاد والمالية التدخل بوثيقة رسمية كان يفترض أن تحسم الجدل، لكنها لم تزد الأمر إلا تعقيدا، حيث أفادت بأن الحكومة أنفقت بالفعل 13.3 مليار درهم على استيراد الأبقار والأغنام، موزعة بين دعم مباشر وإعفاءات ضريبية ورسوم جمركية، مشيرة إلى أن 277 مستوردا استفادوا من هذه العملية، وليس 18 كما قال نزار بركة، ولا 100 كما رد الطالبي العلمي.
 
الوثيقة ذاتها قدمت أرقاما تفصيلية حول الدعم: فقد بلغت تكلفة دعم استيراد الأبقار وحدها 7.3 مليار درهم نتيجة الإعفاء من رسوم الاستيراد، إضافة إلى إعفاءات ضريبية بقيمة 744 مليون درهم. أما دعم استيراد الأغنام، فقد بلغ 5.3 مليار درهم، مقسمة بين تحملات لرسم الاستيراد والإعفاءات الضريبية، إلى جانب الدعم الجزافي المباشر المحدد في 500 درهم لكل رأس، والذي استفادت منه 474,312 رأسًا مستوردة.
 
ظن الجميع أن الأرقام الرسمية من وزارة المالية ستنهي الجدل، لكن لم يكن ذلك سوى بداية لفصول جديدة من التناقض، حيث دخل وزير الفلاحة ، أحمد بواري، على الخط ببلاغ مفاجئ، أكد فيه أن كلفة الدعم لم تتعد 437 مليون درهم فقط، موزعة بين 193 مليون درهم في 2023، و244 مليون درهم في 2024. وأعلن أن عدد المستوردين بلغ 156 مستوردا، في تناقض صارخ مع الأرقام السابقة.
 
لكن النقطة الأكثر إثارة للجدل في تصريح بواري، تمثلت في قوله إن تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة لم يُكلف ميزانية الدولة أي درهم، مستندًا إلى أن هذه الضرائب كانت ذات طابع حمائي ولم تكن تدر أي موارد على الدولة في الأصل. هذا التصريح، الذي يضرب في الصميم الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة المالية، يعمق الغموض ويعزز الشعور بأن الحكومة نفسها تجهل حقيقة ما يجري داخلها.
 
وبالنظر إلى هذه المعطيات المتضاربة، أصبح المغاربة أمام مشاهد ساخرة: حكومة تقول الشيء ونقيضه في آن واحد، ووزراء يخرج كل واحد منهم برقمه الخاص حول كلفة الدعم وعدد المستفيدين، وكأننا أمام أربع حكومات داخل حكومة واحدة. فبينما يؤكد بركة ومزور أن الدعم بلغ 13 مليار درهم وذهب إلى 18 مستوردًا، يصر الطالبي العلمي على أن الرقم لا يتجاوز 300 مليون درهم، استفاد منه 100 مستورد. أما وزارة المالية، فتحدد الكلفة في 13.3 مليار درهم، موزعة على 277 مستوردا، فيما يرى بواري أن الكلفة لم تتعد 0.4 مليار درهم، استفاد منها 156 مستوردا.
 
في ظل هذا التخبط، يجد 37 مليون مغربي أنفسهم في مواجهة حكومة تتعامل مع المعلومات وكأنها ضرب من العبث، غير عابئة بحقهم الدستوري في الحصول على معطيات دقيقة وشفافة. وما يزيد الطين بلة أن هذا الارتباك ليس مجرد خطأ في الأرقام، بل هو تجسيد لعجز حكومي واضح عن حل المشكل ، وفق ما اعترف به فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، الذي أقر بعجز الحكومة عن ضبط السوق.
 
الأمر في المحصلة أصبح أكبر من أرقام متضاربة و تصريحات متناقضة بل تعداه إلى حقيقة كبرى مفادها أن هذه الحكومة فشلت فشلا ذريعا في تدبير ملف اللحوم الحمراء (باعتراف صريح من مكوناتها) و هو ما جعلها ترتبك كلما خرجت للحديث عن الموضوع، بل الأخطر من هذا كله أن المال العام الذي اقتطع من ضرائب المغاربة تم إهداره سدى و استفادت منه بغير وجه حق حفنة (18 إلى 277) من المحظوظين (و المقربين) باعوا للمغاربة أغناما وأبقارا بأضعاف ثمنها الحقيقي ومنحتهم الحكومة ملايير الدراهم على شكل تحويلات مباشرة في حساباتهم البنكية و إعفاءات تامة من الضرائب والرسوم، كل ذلك عبر عملية نصب ملفوفة في غلاف قانوني يفترض أن تفتح من أجلها تحقيقات مؤسساتية (البرلمان المجلس الأعلى للحسابات) وقضائية (النيابة العامة) عسى أن يعرف المغاربة أيا من هذه الأرقام المتطايرة صحيح وأيا منها كذب.