شهدت ولا تزال تشهد الدول الأوروبية تحولات عميقة في سياساتها الداخلية والخارجية، متأثرة بتداعيات الأزمات الاقتصادية والصراعات الجيوسياسية وصعود التيارات الشعبوية. في هذا السياق، تجد الأقليات نفسها في قلب هذه التحولات، حيث تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالاندماج والتمييز والتهميش الاجتماعي.
تصاعدت السياسات الأمنية المتشددة بسبب المخاوف من الإرهاب والتطرف، مما أدى إلى فرض إجراءات صارمة غالبًا ما تستهدف فئات محددة مثل المسلمين والمهاجرين من أصول إفريقية مغاربة وعربية، وهو ما زاد من الرقابة الأمنية كما أسهم في انتشار الخطاب الإعلامي الموجه ضد هذه الفئات.
في الوقت ذاته، شهدت أوروبا صعودا لليمين المتطرف الذي استغل قضايا الهوية الوطنية لنشر خطاب معاد للمهاجرين والأقليات، مما عزز مناخ العداء وساهم في التأثير على التشريعات وسياسات الهجرة والاندماج. وبالتوازي مع ذلك، أثرت الأزمات الاقتصادية على سوق العمل، حيث يعاني أفراد الأقليات من معدلات بطالة مرتفعة وصعوبات في الوصول إلى فرص عمل لائقة، إضافة إلى التمييز في الأجور وظروف العمل و السكن وهو ما تستغله بعض الحكومات لتبرير سياسات تقشفية تزيد من تهميش الفئات الضعيفة...
التغطية الإعلامية لعبت هي أيضا دورا كبيرا في تعزيز الصور النمطية السلبية، حيث تم تصوير الأقليات في كثير من الأحيان كمصدر تهديد للهوية والثقافة الأوروبية، مما أدى إلى زيادة موجات العنصرية وكراهية الأجانب. ومع ذلك، تسعى منظمات المجتمع المدني الأوروبية إلى تعزيز قيم التعددية والتعايش من خلال برامج تهدف إلى دعم الأقليات ومساعدتها على الاندماج، رغم أن هذه الجهود تواجه عوائق قانونية واجتماعية تحد من فعاليتها.
في ظل هذه التحديات، تلعب الجالية المغربية المقيمة في أوروبا دورا مهما في الدفاع عن حقوق الأقليات وتعزيز الاندماج وتمتلك تأثيرا اقتصاديا بارزا من خلال ريادة الأعمال والاستثمار، كما شهدت السنوات الأخيرة تزايدا واضحا في انخراط المغاربة في الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات العالمية، مما ساهم في تعزيز صوت الأقليات داخل المؤسسات الأوروبية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل جمعيات المجتمع المدني مغربية في أوروبا على تأطير الشباب، ومحاربة التمييز، وتعزيز الحوار الثقافي بين المهاجرين والمجتمعات المضيفة.
مع استمرار هذه الأزمات، يبقى الرهان الأكبر على قدرة الجاليات العربية والإسلامية، وخاصة المغربية، على إعادة تشكيل خطابها والمشاركة بفعالية في المجتمعات الأوروبية، والتصدي للحملات التي تستهدفها بوعي ومسؤولية.
ولتعزيز حضور الجاليات في الحياة السياسية الأوروبية، يجب تبني استراتيجيات متعددة تضمن مشاركة فاعلة ومؤثرة. الشيء الذي يستوجب على كل الفعاليات تشجيع أفراد الجالية على التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة في الانتخابات المحلية والوطنية، إلى جانب نشر الوعي بأهمية العمل السياسي والتأثير في القرارات التي تمس حقوقهم ومستقبلهم...نتحدث هنا عن المشاركة السياسية في دول الإقامة.
كما أن تنظيم دورات تكوينية حول النظام السياسي في الدول الأوروبية، وحقوق وواجبات المواطنين والمقيمين يسكون خطوة ضرورية لتعزيز الوعي السياسي والمواطنة الفاعلة...
الانخراط في الأحزاب السياسية يمثل كذلك وسيلة فعالة لضمان التمثيل السياسي للأقليات، حيث ينبغي تشجيع الشباب على الانضمام إلى الأحزاب والمساهمة في وضع السياسات العامة، إضافة إلى دعم المرشحين من أصول مهاجرة الذين يسعون إلى شغل مناصب سياسية أو بلدية.
يعد تعزيز التواجد في الهيئات الاستشارية الحكومية مثل مجالس الأقليات أيضاً وسيلة لزيادة تأثير الجاليات في صناعة القرار السياسي بدول الاقامة...
عبر هذه الجهود، يمكن للجاليات المهاجرة أن تعزز من حضورها السياسي، وتساهم في تحقيق تمثيل أوسع لمطالبها وحقوقها داخل المجتمعات الأوروبية، بما يضمن اندماجًا أكثر فاعلية وتأثيرًا إيجابيًا في الحياة العامة.