الأحد 9 مايو 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (7)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (7) عبد الصمد الشنتوف مع واجهة مقهى "ديانا" بلندن

عائلة للا ارحيمو تعتزم السفر إلى المغرب في بداية شهر غشت. هذا ما أخبرني به زوجها عبدالسلام قبل بضعة أيام، قام هذا الأخير بتعبئة الحقائب استعدادا لسفر طويل، وأنا بدوري حزمت حقيبتي وتوجهت بالشكر والامتنان للعائلة التي استضافتني لمدة ثلاثة أسابيع .

 

سألتني للا ارحيمو بنبرة فيها شفقة واطمئنان على حالي :

- هل ستكون بخير؟

أجبتها بثقة :

- نعم، رددتها مرتين مبديا شجاعة زائفة وأحاسيس القلق تنخر أحشائي،

وأردفت :

- سأكون بخير، سوف أحل ضيفا على صديقي بحي "بورطوبيلو" في حين كنت أعلم أني ذاهب إلى المجهول لا أدري أين سأقضي ليلتي. ودعتهم بابتسامة مصطنعة تخفي وراءها الكثير، وانطلقت نحو مقهى كازابلانكا .

 

ركبت الباص الأحمر، وأخذت مكاني في الطابق العلوي. انطلق وبدأ يشق طريقه نحو غرب لندن. كنت شارد الذهن غارقا في تفكير عميق، أستحضر في ذهني بعض الأصدقاء الذين يمكن أن ألجأ إليهم لمساعدتي في هذا الظرف العصيب. لم أكن أعرف الكثير منهم، فمعظمهم في وضع غير مريح لأنهم حديثو العهد بالهجرة مثلي، ويعيشون مع أفراد عائلاتهم كضيوف عندهم.

 

توقف الباص قبالة شارع غولبورن رود، فترجلت ماشيا نحو المقهى أتحسس مصيري، ورجائي في الله أن ألتقي شخصا أعرفه لأستعطفه فيخرجني من محنتي هاته. كنت أجر حقيبتي وأردد ورد اللطيف في نفسي، أبدو للمارة وكأني سائح ضل طريقه يبحث عن فندق أو عنوان ما، لكن الحقيقة المؤلمة هو أني كنت متشردا تائها أسير نحو مصير غامض.

 

كان مساء صيفيا، طقس معتدل بنسمات هواء لطيف. وقفت عند باب المقهى، وبدأت أحدق في وجوه الرواد آملا أن أتعرف على شخص ما لألجأ إليه وأعرض عليه مأساتي، دخان السجائر ينبعث من كل جانب يكاد يخنقني، وأصوات صاخبة تخترق أذني تصدر من مهاجرين منهمكين في لعبة الورق و"بارشي"، حتى يخيل إليك أنك في مقهى شعبي بالعرائش. حال دخولي المقهى وقعت عيني على  شخص أعرفه، رجل قصير القامة، يدعى عبدالسلام، كان قد تتلمذ قديما على والدي بمدرسة الميناء .

 

ما زلت أرقب عبدالسلام من بعيد، كان منهمكا في لعبة "بارشي"، يلعب بخشوع ويقارع خصما عنيدا اسمه جلول. يصيح في وجهه قائلا "نوض على سلامتك". يلعب بحماس جامح، تارة يصرخ وتارة يهدأ، كنت أتمنى أن يفوز عليه بضربة "بيطو" القاضية فأقتنصها فرصة سانحة وأقترب منه لأعرض عليه حاجتي وهو في وضع الفائز المنتشي. وضعي المتشرد علمني كيف أستعطف الناس، فأخترق مزاجهم وأنفذ إلى قلوبهم.

 

أحيانا كنت أنجح في مهمتي وأحيانا أخرى كنت أخفق.

 

تقدمت إليه متوترا وهمست في أذنه :

- أنا عبد الصمد صديق أخيك عبد الله، وابن أستاذك الشنتوف. ما أن سمع كلامي حتى انتصب واقفا، ونظر إلي مندهشا مخاطبني بنبرة يسودها شيء من العطف:

- يا لها من مفاجأة، كيف الحال، وماذا تصنع هنا؟

- قلت له: جئت إلى لندن منذ بضعة أسابيع، أبحث عن عمل لأجمع بعض المال وأعود إلى بلدي في شهر أكتوبر. أشتغل حاليا بورشة الأحذية في شرق لندن، لكن للأسف ليس لدي بيت آوي إليه هذه الليلة.

 

نظر إلي الرجل بعين الشفقة وقلبه قد رق إلى حالي قائلا:

- هون عليك يا أخي، ولا تستكثر على نفسك، فأنا لن أتركك متشردا بلا مأوى تتسكع في الشوارع، لا يمكن أن يحصل هذا، مر على بيتي بعد العاشرة ليلا، لتمضي معنا بعض الأيام حتى تمر هذه الغيمة، ويقضي الله أمرا كان مفعولا .

 

سررت كثيرا بجواب الرجل حتى دمعت عيناي من شدة الفرح، شكرته على صنيعه وانصرفت منتشيا أردد في نفسي: الحمد لله، كريم ابن كريم لا يخذل أبناء أساتذته وبلده.

 

كانت الساعة السابعة مساء، تذكرت صديقي حسن الذي كان بدوره يقيم ضيفا عند عائلة الريحاني قرب شارع "بورطوبيلو"، وهي عائلة طيبة تنحدر من حي "كليطو" بالعرائش. تقدمت وطرقت الباب ففتح لي شاب بدين اسمه محمد، فسألته، هل يوجد معكم حسن؟

فرد علي: هو مقيم عندنا منذ شهر تقريبا لكنه في العمل حاليا، إنه يشتغل بإحدى المطاعم اللبنانية.

- حسنا، أقرأه السلام، وقل له صديقك عبد الصمد من المغرب جاء يسأل عنك، وسوف أعاود الزيارة مرة أخرى. فرد علي:

- سوف أفعل، سأبلغه رسالتك، إن رجعت مرة أخرى فستجده في المنزل، حاول أن تأتي قبل السادسة مساء، مع السلامة.

- في أمان الله، شكرا لك محمد.

 

مشيت في طريقي نحو محطة "نوتينغ هيل غيت"، ثم عرجت على شارع "بايسووتر" المؤدي إلى منتزه هايد بارك الشهير. شعرت ببعض التعب وأنا في طريقي، فركنت إلى إحدى المقاهي المتواضعة لأرتشف فنجانا من القهوة الإيطالية. كان مقهى متواضعا بمساحة لا تتعدى أربعين متر، ويقع مقابل بوابة حديدية ضخمة سوداء، على جانبها حارسان يرتديان زي الحرس الملكي البريطاني الأحمر، إنه مدخل قصر كينسينغتون الذي تقطن فيه الأميرة ديانا.

 

جلست في مكاني أرتشف قهوتي وعيناي لا تفارقان البوابة الملكية، كان السياح يلتقطون الصور أمام البوابة من حين لآخر، التفت يمينا فسألت شابا ذا ملامح عربية:

- لماذا كل هذه الصور العديدة للأميرة ديانا تزين جدران هذا المقهى؟

فصعقني برده قائلا: إنها إحدى المقاهي المفضلة عند الأميرة، ترتادها مع أبنائها بانتظام لتناول وجبة الفطور.

صدمت من هول ما سمعت وقلت:

- لكنه مقهى شعبي متواضع جدا لا يليق بالملوك والأمراء.

- أتفهم استغرابك، لكنها أميرة حسناء ينبض قلبها بالحس الإنساني ليست كباقي الأمراء، فهي تحب البسطاء من الناس ولا تتبرم من الأجانب الملونين مثلي ومثلك.

 

لم يكد عقلي يستسغ مثل هذا الكلام، وأنا الذي أتيت من بلاد لا تحمل من العدالة والتواضع غير الاسم. لا نرى فيها الأمراء إلا على جهاز التلفاز، فما بالك بأميرة من عائلة أرستقراطية ملكت قلوب الدنيا وشغلت العالم بأخبارها، أميرة تنتمي لبلد عظيم ضارب بجذوره في عمق الحضارة وعبق التاريخ.

لم أستوعب هذا الكلام فضلا عن تصديقه، قلت في نفسي: لا لا، لا يمكن، هذا شاب عربي يحكي لي حكايات سوريالية، لا يمكن لديانا أن ترتاد مثل هذا المقهى.

فاشتد ذهولي أكثر عندما قال لي:

- إن أردت أن تحظى برؤية الأميرة عن قرب فيمكنك أن ترجع غدا صباحا، وتأخذ مكانك في إحدى زوايا المقهى، لكن اطلب حظك، قد تأتي وقد لا تأتي، لأن ذلك متوقف على جدول أعمالها اليومي. فهي تحضر بدون سابق موعد مرتب ولا بروتكول.

- سألته: وهل يرافقها الحراس؟

- لا لا ، أبدا، الحراس يظلون خارج المقهى يراقبون المشهد من بعيد بلباسهم المدني.

- وهل تحدث الناس في المقهى؟

- نعم، عندما تدخل، توزع ابتسامتها الأميرية الحلوة على الرواد، ثم تأخذ مكانها المفضل عند النافذة، وتلتهم "الكنافة النابلسية" بنهم شديد.

- هل صاحب المقهى فلسطيني؟

- نعم ، لاجئ فلسطيني اسمه "بسام"، نسج علاقة صداقة مع الأميرة وترتاد المقهى منذ سنوات. وتعد ديانا من أشهر زبنائه.

 

لم أكد أصدق ما أسمع، فالأمراء والرؤساء في بلادنا العربية لا يتصرفون هكذا، عندما يمر موكب أميري عندنا تغلق الشوارع وتطوق البلدات، فتنتشر قوات الأمن ورجال المخابرات أرضا وجوا وبحرا، وتقطع الطرقات بين المدن وضواحيها، حتى يمر موكب الأمير المبجل في أمان وهدوء، فما بالك أن يخالط البسطاء من الناس في مقهى شعبي ويستمع إليهم. هذا شيء عجاب. في بلادنا حاكم القرية ومحافظ المدينة لا يخالط الناس في المقاهي والمطاعم، عكس الأميرة الفاتنة، تجالس الناس في أماكن عامة وتشاركهم الحديث. تماثلت في ذهني صورة زعيم انقلابي غاشم أتى للحكم عبر الدبابة، يمشي بين رعيته في خيلاء وغرور ملوحا بيديه "الشريفتين"، يفتقد لروح التواضع والحس الإنساني، متعجرف لا يعرف السكون ولا الوداعة، بل يظنها لونا من ألوان الضعف قد تفقده هيبته بين الناس كما يزعم.

أما ما يحدثني به الشاب الفلسطيني فهو من حكايات المدينة الفاضلة، وضرب من ضروب الخيال.

 

ودعت الفلسطيني بعدما شكرته عن دردشته الذاهلة، ثم تابعت خطواتي نحو منتزه هايد بارك الذي لم يكن يبعد سوى بضع خطوات عني.

حديقة تعد من أجمل الحدائق الملكية بلندن وأكثرها شهرة، تتميز بجمال طبيعي ساحر. تضم ممرات وطرقا سلسة للمشي وممارسة الركض بين أشجارها الخضراء النضرة . هناك على الجانب الشمالي من المنتزه يتواجد عدد كبير من السواح العرب. رجال يدفعون بطونا مندلقة ويرتدون أقمصة بيضاء بعقال أسود يضعونهه على رؤوسهم، بعضهم يرتدي "البشت" الأسود أو البني المطرز بـ "الرسيم" الذهبي ربما ليضفي عليهم لونا من ألوان الهيبة والوقار كما يظنون . بعض هؤلاء يظل يسير في الممشى جيئة وذهابا طوال المساء مع أطفال بدناء، أما نساءهم فيرتدين البرقع والنقاب مع القفاز، وينتشرن على ضفاف البحيرة وكأنهم طيور البطريق، يستمتعن برؤية البط والأوز، ويطعموهم أحيانا فتات الخبز، في حين الشابات منهن يلبسن عبايات سوداء بتصاميم مطرزة لا تخلو من مظاهر الشياكة. بعضهن حسناوات فائقات الجمال يحملن عيونا سوداء تسحر الناظرين، تعبق منهن روائح عطور فرنسية فاخرة، يستأجرن قوارب تجذيف ويقمن بجولات فسحة في وسط البحيرة البهية.

 

على الطرف الآخر من الحديقة يوجد شارع يدعى "كوينزوي"، يغص بالسواح ويدب بحركة تجارية قوية. متاجر ومطاعم عربية عليها علامة "حلال" منتشرة على طول الرصيف، حتى يخيل إليك أنك تتجول في شارع الحمراء بيروت.

 

شدني صوت قوي تناهى إلى سمعي من جهة بعيدة، رجل في بداية الأربعين من عمره يشبه الهنود يصرخ كالمجنون بأعلى صوته: "الراية الحمراء والنجمة الخضراء ويحيا الحسن"!، يرددها عدة مرات. اقتربت منه فبدا لي كمهاجر مغربي يدعى "بوسلهام" بسحنة داكنة، رجل مدمن على الخمر والتسكع. يعلو وجهه شارب كث وشعر أسود ناعم وكأنه فنان غجري، ينغمس في الصراخ حينما يسكر حتى تتخيله سياسيا متمرسا يخطب من فوق المنصة.

قيل إنه كان يشتغل كمساعد في متجر إسباني بالعرائش قبل مجيئه إلى لندن. كان يدفع عربة ملونة لإيصال طلبات الإسبان إلى منازلهم ثم استحال إلى سكير مدمن بعدما هجرته زوجته إلى رجل آخر. وراء كل مهاجر حكاية درامية حزينة. كان الناس يتحلقون حوله ، ينظرون إليه وهو يصرخ، يمشي على الرصيف وقد طفح سكره فيسقط على الأرض، ينهض واقفا مقاوما ترنحه، ثم يتابع سيره متمايلا وكأنه ورقة تحت تأثير العاصفة.

 

تذكرت رجلا فارع الطول يدعى "سكتاوي"، كان يمر من أمامنا ثملا ونحن مسندون ظهورنا لجدار متجر "ريكوبير"، يتوقف وسط الطريق هنيهة، فيصوب بصره إلينا بعيون متعبة. كان يردد أغنية "ما أنا إلا بشر عندي قلب ونظر"، يمشي مترنحا من فرط شرب الخمر، يقترب منا، فيأتي حركات غريبة وكأنه بهلواني في سيرك، يحملق في وجه صديقي جلال برهة ثم يصيح قائلا: "أنت أعرفك، من لا يعرفك خسرك". يسترسل في حديث غامض مغمغما بشفتيه وكأنه يقرأ علينا تعاويذ "كريشنا"، يبكي تارة ثم يضحك تارة أخرى، كان رجلا مثقلا بالهموم تبدو عليه أمارات مشاكل نفسية عميقة تسكن دواخله. هكذا حال معظم السكارى عندنا، متعبون، يعانون، يصرخون ويسلكون مسالك العربدة والمجانين. حدثت نفسي قائلا: لا أدري ماذا يصنع مثل هؤلاء في الحانات؟، فحالتهم تستدعي الرعاية في مصحات نفسية وليس المكوث في الحانات.

بعدما ينهي سكتاوي حديثه يوزع علينا دريهمات بسخاء غامض وينصرف في حاله يصرخ كالمعتوه يشتم العالم بأسره .

 

لو قدر له أن هاجر إلى لندن لما تبدلت أحواله، كان سيفعل الشيء ذاته، ربما كان سينضم إلى بوسلهام بشارع "كوينزوي" ليصرخا سويا ويحاكيا مشهد "الحايحة" الذي عهدته في مدينتي.

 

بدأ الليل يرخي سدوله، عقارب الساعة تزحف نحو العاشرة. استأنفت سيري نحو شارع "وستبورن غروف". وقفت عند موقف الحافلات أنتظر قدوم الباص 15. بعد هنيهة وصل الباص، صعدته مسرعا وانطلق بي نحو بيت مضيفي عبد السلام...