الخميس 15 إبريل 2021
كتاب الرأي

الشعيبي يكتب مشاهداته القضائية في زمن كورونا

الشعيبي يكتب مشاهداته القضائية في زمن كورونا جمال الدين الشعيبي
زرت مؤخرا محكمة الاستئناف بتطوان بعد غياب طويل، اكتشفت قاعة الجنايات مملوءة بالزملاء والمتقاضين وعائلاتهم، فضاء قاعة  المحكمة مغلق بالكامل،  إلا الباب الوحيدة الذي يلجها الجميع، والتي تنعدم فيها التهوية والشروط الصحية.
هذا الوضع فاجأني كثيرا وأنا من قررت أن أعمل عن بعد حتى خارج مكتبي تنفيذا للتوجيهات التي تلقيتها من الإعلام العمومي، بما فيهم مساعدي بالمكتب، البعض منهم اختار العمل عن بعد ولم يلتحق بالعمل إلا مؤخرا..
كنت أعتقد أن الأمر لا يزال كما كان عليه أيام الحجر الصحي في السنة الماضية. بالنسبة لقضايا المعتقلين بالمحاكم ينحصر الحضور بقاعة المحاكمة على الهيئة القضائية ودفاع الأطراف، بينما المتهم يمثل أمام المحكمة عن بعد بواسطة وسائل الاتصال الحديثة.
هذا المشهد ذكرني بأيام زمان، كما ذكرني بالفضاءات العمومية، من سينما ومسرح وندوات ثقافية، معظمها في الزمن الراهن متوقف عن أداء أدواره ووظائفه الثقافية بسبب هذا الوباء اللعين، وإن تم إنجاز نشاط ثقافي يكون تحت إشراف السلطة وباحترام صارم للضوابط الصحية والاحترازية، مسافة الأمان ونسبة تحمل القاعات من الحضور المعقول والممكن ..
إلا أن ما عاينته مؤخرا بقاعة المحكمة خلاف ذلك تماما، هذا الوضع جعلني أطرح مجموعة من الأسئلة:  لم كل هذا الحضور؟ ألا يشكل خرقا لقانون حالة الطوارئ الصحية؟ وهل السادة القضاة يحسون براحة نفسية كاملة وطمأنينة شاملة تسمح لهم بمناقشات الملفات بأريحية وسكينة نفسية دون خوف الإصابة بهذه العدوى؟ 
ثم،  ألا يسود الوسط القضائي القلق والخوف ومعظمهم لم يتم تلقيحهم بعد؟ 
ونفس السؤال بالنسبة للمحامين، هل يقومون بواجبهم  المهني بطمأنينة نفسية كاملة تسمح لهم بأداء دور الدفاع على أحسن الوجه؟
 وإذا كانت القاعة بهذه الكيفية مملوءة عن آخرها لماذا لا يتم إحضار المتهمين والعديد من الأسئلة .....
ما عاينته لا يقتصر على الجلسات العمومية فحسب. 
 استفسرت بعض الزملاء بالمهنة وأكدوا لي أنه يمتد لجلسات البحث التي تنجز في مكاتب السادة القضاة والإجراءات بكتابة الضبط.
إن  مرفق القضاء من بين أكبر المرافق التي يلج إليها  المغاربة  يوميا، عشرات الآلاف من الشباب والشيوخ والنساء بجميع ربوع المملكة، لا يمكن أن يتوقف عن أداء مهامه وأدواره القانونية، فمن خلاله يتم ضمان حقوق المجتمع وحقوق الأفراد والجماعات والمؤسسات، إنه فعلا الحكم والفيصل في فض النزاعات بين من هم في خلاف مع القانون مرتكبي الجرائم والجنح، أو مدعين ومدعى عليهم في جميع مناحي القضاء. إدريا كان أو مدنيا و تجاريا أو من صنف آخر.
إن الأمر بحكم تطوير منظومة القضاء التي عرفها وطننا العزيز تعدت وظائفه التقليدية المتمثلة  في فض النزاعات الى مرافقة النساء ضحايا العنف وغيرها من القضايا الاجتماعية البالغة الأهمية لاستقرار الاسرة وضمان حقوق الطرف الضعيف . 
 إلا انه رغم هذه الأهمية الاستراتيجية لضمان الحقوق والحريات، تحقيقا للعادلة وللأمن القضائي الذي يوفره مرفق القضاء للمواطنين والجماعات والمؤسسات العمومية وغيرها، فإن اللجنة التي سهرت على تحديد قائمة المهن العمومية التي شملتها أولوية التلقيح ، لم تدرج القضاء والمهن القضائية المساعدة له ضمن المرافق العمومية التي تحضى بالأولوية باعتبارها مرافق الواجهة والاستقطاب العام للمواطنين والمواطنات، وأن توقفها الاضطراري بسبب الجائحة يؤدي الى اضطراب خطير في وظائفها، يكفي الرجوع قليلا للمحاكم الإدارية بالرباط ومدة توقفها الجزئي عن العمل بسبب حالات الإصابات المسجلة في صفوف السادة القضاة، لدرجة أن  الجلسة توقفت بعدما تم إخبار أحد السادة القضاة وهو على منبر المحكمة أنه مصاب بهذا الوباء بعد وصول نتائج تحليلاته. 
علينا ان نكون بنائين ونقدر المجهودات الجبارة والنوعية التي قامت بها الدولة المغربية من خلال معالجتها لهذه الجائحة، اكتسبت إعجاب المنتظم الدولي، قبل عملية التلقيح وبنوعية مباشرة وجودة التلقيح، تدل أن المغرب دولة تفوقت على العديد من الدول الكبرى في هذا المجال بفضل حنكة ملك البلاد وبصيرته وحبه لشعبه ووطنه وتفانيه في خدمته من أجل تقدمه والحفاظ على صحته وسلامته، إلا أن اللجنة المكلفة بوضع هذه الفئات وتصنيفها غاب عنها أهمية مرفق القضاء، وأنه  مرفق استراتيجي لا يقل عن التعليم وباقي المرافق العمومية التي شملها أولوية التمنيع الجماعي.     
أتمنى أن تأخذ الجهة المشرفة على عملية التلقيح هذا المرفق في برنامج عملها، وسيكون ذلك حكمة كبيرة تسمح بتحقيق الأمن النفسي والصحة لكل العاملين في هذا القطاع، ويؤدي وظائفه على أحسن وجه وتكون مخرجاته تمتاز بالجودة والإنسيابية والسرعة ،لا سيما لحد الآن في بعض المحاكم كتاب الضبط يعملون بنصف العدد وهم معذورون في ذلك، كما أن إدراجهم لن يكون تفضيلا على باقي المغاربة او تمييزا عنهم، إنها خدمة للمغاربة بالأساس أكثر من خدمة لفئة لا يتعدون في ربوع المملكة 50 ألف مواطن .
إن مرفق القضاء، لا يقل عن باقي المرافق اهمية في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، إنه في الواجهة وصمام أمان أداء باقي المرافق لأدواره ووظائفه.
 
جمال الدين الشعيبي /محام بهيئة تطوان