الثلاثاء 15 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

منذر سهامي:الاحتشام الدستوري

منذر سهامي:الاحتشام الدستوري منذر سهامي
اعتادت الأحزاب الديمقراطية طرح المسألة الدستورية كأولوية وكمدخل لأي إصلاح سياسي في الوطن،وبالعودة إلى تاريخ المطالبة بالإصلاح في المغرب، تطفو على السطح أول المذكرات التي رفعها عدد من رجالات وعلماء المغاربة وحتى غير المغاربة للملوك العلويين، مطالبين إياهم بإدخال إصلاحات عميقة بغية الوصول إلى هدفين رئيسيين أنقاد المغرب من الأطماع الأجنبية المحيطة به وأيضا، بناء نضام سياسي عصري يعتمد تقييد سلطات الملك وتوسيع سلطات الهيئات المنتخبة ) مذكرات بن سعيد ، مذكرات الطرابلسي، مذكرات الثعالبي … ( لكن يبقى مشروع دستور 1908أحد أبرز الوثائق التاريخية التي حاولت تأطير النظام السياسي بوثيقة دستورية مكتوبة،هذا النقاش الذي سيتوارى أثناء الحماية تاركا مكانه الأولوية الحصول على الاستقلال وطرد المستعمر إلا عند بلحسن الوزاني الذي دافع عن أولوية المسألة الديمقراطية والدستورية على مسألة الاستقلال .
وهذا ما يعكسه شعار " الاستقلال رائدنا وسبيلنا إلى الدستور" ، وأيضا في وثيقة دستور جمهورية الريف التي جاءت بعد انتصارات أنوال حيث قام هذا, المشروع على أساس مبدأ سيادة الشعب سيتصدر هذا النقاش الساحة السياسية مباشرة بعد الحصول على الاستقلال ، حيث سيشكل موضوع الدستور مجال للصراع والصدام بين أحزاب الحركة الوطنية من جهة وبين الملك الراحل الحسن الثاني من جهة أخرى.
هذا الصراع الذي سيأخذ عدة أبعاد ستصل إلى تأزيم الوضع عقب دستور 62 وبشن حملة الاعتقالات و تدهور الوضع الاقتصادي و الاجتماعي حتى ينفجر الوضع اثر انتفاضة 23 مارس وإعلان حالة الاستثناء من طرف الملك، سيستمر هذا التدافع حول المسألة الدستورية أيبان دستور 92.72.70 لينتهي عند أحزاب الحركة الوطنية بالتصويت الايجابي على دستور 96 ودخول تجربة التناوب بدون ضمانات، بعد وفاة الحسن الثاني وتولي خلفه محمد السادس العرش، سيستمر القصر في التغاضي على هاته الأولية كمدخل للإصلاح الشامل و سيعوضها بخلق مجموعة من اللجن والهيئات ( الإنصاف والمصالحة، الجهوية....)
ستهتم بما يراه القصر أولية في أجندته السياسية، امتنعت كل الأحزاب السياسية على طرح الموضوع باستثناء مذكرة يتيمة في 2007 سيقدمها الحزب الاشتراكي الموحد للديوان الملكي الذي لم يعرها ذرة اهتمام. سيستمر النظام في تجاهل المسألة الدستورية وستنهح معظم الأحزاب نفس النهج باستثناء مطالبة محتشمة من طرف أحزاب اليسار الديمقراطي . ليظل الوضع كما هو عليه إلى حدود بروز دينامية حركة 20 فبراير عقب الربيع الذي هم المنطقة كلها .تصدرت المسألة الدستورية والديمقراطية مطالب حركة 20 فبراير ودعمتها كذلك أحزاب اليسار الديمقراطي التي ستفترق بها السبل بين مشارك في لجنة المنوني ومشارك في الانتخابات ومقاطع لكل هته العملية.
هذا التدافع السياسي الجميل، سيختفي في الآونة الأخيرة من طرف الكل فغابت الجرأة عند القيادات السياسية حتى المنتمية إلى اليسار الديمقراطي التي عودتنا على المبادرة و الإنصات لنبض الشارع واقتناص الفرص السياسية لتحقيق مكاسب لهذا الشعب ولهذا الوطن هته القيادات غرقت في صراعات ذاتية وحسابات سياسوية وأوهام تزيد في عزلتها عن المواطنين، وبعدها يوما بعد يوم عن الصراع السياسي الحقيقي، فلا هي رفعت مذكرات لرئيس الدولة كإحدى الإجابات على خطبه المتعددة ولاهي قادت معارك في الشارع لتغيير موازين القوى لفائدة التغيير والإصلاح ولا هي حققت تقدما انتخابيا يمكنها من ممارسة معارضة مؤسساتية وازنة.
فمتى تعود هته الأحزاب المناضلة إلى وعيها لتسترجع المبادرة في الساحة السياسية، أم أنه آن الأوان لقياداتها أن تتوارى إلى الخلف قاسمة الطريق لجيل أخر ينظر إليها أنها جزء من الأزمة.
دكتور منذر سهامي، عضو المكتب السياسي للحزب الإشتراكي الموحد