"لا يكون نصٌّ نصاًّ إن لم يُخْفِ على النّظرة الأولى، وعلى القادمِ الأوّل، قانونَ تأليفه وقاعدةَ لَعِبِه. ثم إن نصاًّ لَيَظَلُّ يُمعِنُ في الخفاء أبداً. وليس يعني هذا أنّ قاعدتَه وقانونَه يَحْتَمِيان في امتناع السّر المَطْوِيّ، بل أنّهما، وببساطةٍ، لا يُسلِمان نفسيْهما في الحاضر لأيّ شيءٍ مِمّا تُمْكِنُ دعوتُه بِكاملِ الدّقة إدراكاً."
جاك دريدا، صيدلية أفلاطون [ت: كاظم جهاد].
"رُبّما من يقرؤون فعلاً هُم الأَكِفّاءُ الذين يلجؤونَ إلى طريقةِ بريل، أصابعُهم تصيرُ عُيونا، وتضطلع بالمهمة المُزدوجة، تقليب الصفحات وقراءتها في آن. لذا عِوضاً عن التّنافس في ابتكار آلاتٍ للقراءة، أَمَا كان الأجْدى تدريبُ القُراء على أنماط مُختلفَة من القراءة، ما الذي يجعل بريل مثلاً حِكراً على الأكِفّاء، ألن يكون من المُمتع لنا أن نقرأ بأعْين مُغْمضة وفي الظّلام مُنْتَشينَ بِملْمس الحروف تحت أصابع أيدينا، أيدينا التي دونها تصير كلُّ قراءةٍ أو كتابةٍ عملاً لا يُعوّل عليه."
محمد آيت حنا، مَكْتباتُهم.
"رُبّما لم يكنْ هوميروس موجوداً ولكن اليونانيّين أحبّوا أنْ يكون أعْمى للتّأكيد على حقيقةِ أن الشعر، قبل كلّ شيءٍ موسيقى؛ أنّ الشعرَ، قبل كل شيء، الأرْغن؛ وأن العُنصر البصَريّ يُمكن أن يوجَد في قصيدةِ الشاعر وقد لا يوجد. أعرفُ شعراءَ كباراً من البَصَرِيّين وآخرين ليسوا كذلك: بل هم شعراءُ ذِهنيُّون، عقليُّون، ومن غير المُفيد هنا أن نذْكر أسماء.."
بورخيس، مديح العمى [ت: بسام حجار]
"- أليس من الغريب أن يكونَ رائدُ الأدب العربي المعاصر [طه حسين] أعمى، وأن يكون أحدُ كبار أدباء العصر الكلاسيكي [أبو العلاء المعري] أعمى؟
"- قد تكون صُدفةً.
- وقد تكون إشارةً إلى حقيقةٍ دائمةٍ وهي أنَّ الأديب العربي غيرُ مُطالب بالاطّلاع على العالم الخارجي، حسْبُه الانغماس في اللغة."
عبد الله العروي، اليتيم.
بِصَرْفِ النَّظر عن الفاصل الزّمني بين وفاةِ المتنبّي ومولدِ أبي العلاء، وبالتّغاضي عن المسافة الصريحة بين نمطين في الوجود، بين اختيارين في الحياة لهما طابعٌ حَدّيٌّ: فروسيةٌ وإقدامٌ وذهابٌ إلى أقصى المُمْكن شعراً وبطولةً من جهة، وعزلةٌ وزهدٌ وانكماشٌ وإعراضٌ عن الدنيا من جهة أخرى؛ على الرغم من هذا الفاصل وتلك المسافة، فإن صداقةً استثنائيةً قد انعقدتْ بين شيخ المعرّة وبين من كان يعتبرهُ "الشاعرَ" بإطلاق. صداقةٌ استثنائيةٌ لأن المعرّي أَلِفَ التّصريحَ بأسماءِ مَن يستدعيهم من الشعراء (قال أبو تماّم، قال البُحتري..)، في حين كلّما اقتبسَ بيتاً لأبي الطيّب إلّا واسْتبقَهُ بعبارةٍ تَشِعّ إعجاباً: "قال الشاعر..". ولأنّ لا أحدَ بمُستطاعه أن يقْرأ المتنبّي مُنفصلاً عن تاريخ تلقّيهِ، يصيرُ من المتعذّر القفزُ على اللحظة التي قرّر فيها أبو العلاء تدشينَ فصلٍ جديدٍ من تاريخ القراءات المخصصة لحالةٍ أدبيةٍ فريدةٍ، لشاعرٍ "أقام الدُّنيا وشغلَ الناسَ"، فكان أنْ تفرّق قراؤه في مسالك شتّى: خصومُه الذين حرصوا على تتبُّع سرقاته، وكشفِ مثالبه، مشيّدين بذلك ضرباً طريفاً من القراءة المُغرضة، قراءةٍ ظاهرُها الكراهيةُ وباطنُها الإعجابُ الخفيّ، ما دامت تُصاحب المقروءَ في تفاصيله وجزئياته؛ وعلى الضّد من هذه القراءة المُعادية نَهضتْ قراءةُ المعجبين به، أو لِنقُل قراءةُ صداقةٍ استثنائيةٍ، قِوامُها النّظرُ إلى حرص الخصوم على ذمّ المتنبي والانتقاصِ من مكانته بوصفهما شهادةً على اكتماله. وبين هؤلاء وأولئك، بين دعاوى الخصوم ومُؤازرة القراءات الصديقة، كان لِزاماً أن يتوسّط القضاءُ بين "الشاعر" وخصومِه.
كثرةُ التّصانيف الحريصةِ على الكشف عن أواصِر القربى التي تَشُدُّ أبا العلاء إلى أبي الطيّب، وتَشَعُّبُ المسالكِ التي خطَّتْها الدراساتُ المَعْنيَّةُ بإضاءة هذه الصداقة الاستثنائيّة، وتعدُّدُ التأويلات التي اجتهدتْ في الإنصات للمحاورة العابرة للزّمن بين "الشاعر" وشارحِه؛ يمكن أن تُترجَم، بِغيْر قليلٍ من المجازفة، في ما يمكن أن نَدعُوه "تضايُفاً". على أن نأخذ التّضايُفَ بالمعنى الذي اجْترحَه المناطقة. نقرأ في تعريفات الأصفهاني: "التَّضايُف: كونُ الشَّيئيْن بحيث يكون تَعَلُّقُ كلّ واحدٍ منهما سبباً بتعلُّق الآخر به، كالأبوّة والبنوّة، وكونُ تَصَوُّرِ كلّ واحدٍ من الأَمريْن موقوفاً على تصوُّر الآخر". بهذا المعنى يغدو المعري ابناً للمتنبي، هو الذي رأى في الأبوة "هديّة سامّة"، هبةً تتّخذ هيئة جناية يُلحقها الوالد بالمولود. ولئن رفَض صاحبُ اللُّزوميات تمريرَ هذه الهبةِ، مُستبِقاً بذلك ما نبّه إليه سيوران حين أشار بفخر، وفي أكثر من مناسبة، إلى الامتناع عن الإنجاب بما هو "هبةٌ سلبيّة"، إحسانٌ يَمْثُلُ في عدم الإلقاء بالمولودِ في مأزق الوجودِ؛ فإنّه لمْ يرفُض الأبوّة الرَّمزية التي استشعرها تُجاه "الشاعر"، بحيث يمكن القول إن المعري قد تبنّى هذه الأبوة وكدح في تبريرها. المتنبي، أو الأب المُتبنّى..
هل جنى الأبُ المُتبنَّى على ابنِه؟ نعم، فقد ضاعف هذا التّضايُف من عزلة المعري، بل كان سبباً في بَتْر الصّلة التي جمعتْ بينه وبين الشّريف المُرتضى، هذا الذي كان شديد الاختصاص به، ولهُ معه مُباحثات ومُداعبات. تروي عديدُ كتبِ التّراجم، وفي صِيَغٍ مُتَبايِنةٍ، أن المعري اعتاد أن يقْطع عُزلتَه بحضور مجلس الشّريف المُرتضى، وجرى يوما ً ذِكْرُ المتنبي، فتنقّصهُ المُرتضى، وجعل يَتتبَّع مثالبَه، لبُغضِه له. في تلك اللّحظة أحسَّ كهلُ معرّة النعمان، ونَزيلُ بغداد، بوخزةٍ مُؤلمةٍ في صدره فقال: "لو لم يكن للمتنبي إلّا قولُه: "لكِ يا منازلُ في القُلوب منازلُ"؛ لَكَفاهُ فضْلاً". غَضب المرتضى، جرّاء هذا التلميح، وأمر بإخراجه بطريقة مُهينَة، ثم الْتَفَتَ إلى مَنْ بِحَضْرَتِهِ، وقال: "أَتَدْرون أيّ شيءٍ أراد الأعمى بذِّكر هذه القصيدة، مع أنّ لأبي الطيّب ما هو أجودُ منها؟ فقالوا: "النّقيب السّيد أعْرفُ"؛ فقال: أراد قوْلهُ في القصيدة عَيْنِها:
وإذا أَتَتْكَ مذمَّتي من ناقصٍ فهي الشَّهادة لي بأنّي كامِلُ"
لهذا التضايُف بُعْدٌ آخر، ولعلّه البُعد الذي يهمّنا في هذا المقام، ما دامت أبعاد هذا التضايُف تُفضي إلى مسالكَ لا تنْتهي إلا لِتبْدأ؛ قلنا إن البُعد اللَّافت في هذا التضايُف هو القراءة التي اقترحها المعري لديوان المتنبي؛ قراءةٌ انخرط من خلالها في مجالسةٍ تأويليةٍ تكادُ تجعلهُ معاصرا لقارئ آخر، جمعته بالمتنبي وشائجُ صداقةٍ وكَلَفٍ مَكينٍ باللُّغة، ونعني بذلك ابنَ جِنّي. يُقال إن المتنبّي كان لا يتحرَّج من الجواب عن أسئلة المُختصمين، من مسّهم الأرق جرّاءَ تأويل ما أَشْكل عليهم من شوارِده، بالقول: "اسألوا ابنَ جنّي فهو أعْرَفُ منِّي بشعري"، وفي روايةٍ: "عليكم بالشّيخ الأعْور، يقصد ابنَ جنّي، فَسَلوهُ فإنّه يقول ما أَرَدْتُ، وما لم أُرِدْ". لماذا يُصِرُّ المتنبي على التّصريح بالعاهة التي امتُحن بها مؤلِّف الفَسْر (كتابٌ خصَّصَه صاحبُه لإضاءة اللّطائف المَطْوِيّة في "أبيات المعاني" من شعر المتنبي)؟ هل يجوز، جواباً عن هذا السؤال، أن نُترجم شهادة المتنبي على هذه الشاكلة: "إنَّكُم، وإن حَبَتْكُمُ الطّبيعة بعينين، إنّكُم وإن كنتم تنْعمون بِرؤيةٍ تَهَبُكُم القُدرةَ على رؤية ما أقصدهُ؛ فَإنَّ لابنِ جنّي، رغم العاهة التي يرْزح تحت ثِقلها، عبقريةً استثنائيةً تُبوّؤُه منزلةَ مَنْ يذهبُ أبْعَد مِن مقصدية القائل، ليخطو في اتجاه ما يتجاوز هذه المقصدية، أعني: مقصدية اللغة"؟
"في بلد العُميان، يكون الأعْور ملكاً".. لا مناصّ من التفكير في هذا المَثل السائر الذي يُضيء الوضْع المُزدوج لابن جنّي، بوصفه قارئاً اسثنائياًّ لِشَوارد المتنبي. تَرِدُ أقْدمُ صيغةٍ موثّقة لهذا المثَل في كتاب الأمثال لإيرازموس، غير أنه لم يَحْظ بالانتشار والشُّهرة، لم يقْتحم قلعة الأدب الحديث، إلّا مع هربرت جورج ويلز في قصّته بلد العميان. يُجازف البطلُ، متسلق الجِبال نُونِيز، حين يَلِجُ وادياً مَعزولاً تَعْمُرُه جماعةٌ من العميان. ولِأنّه المُبصرُ الأوحدُ في وادٍ، تُذكّر جُغرافيتُه بدائرةٍ من دوائر جحيم دانتي، يَلْفي نفسه لِلْوهلةِ الأولى مُستسلِما لِوَهْم التّفوق تُجاه القوم، لِيكتشِف بشكلٍ متأخّر أنَّ قُروناً من العتمة قد أورثَتْ شعبَ العُميان نظاماً خاصاًّ، لغةً ومعاييرَ، استعصى عليه فكّ شِفْراتها. حين استقرّ في نفسه أنّه أدنى من القوم، وأنّه ليس أكثرَ مِن غريبٍ عاجزٍ، ينعم نينوز أخيراً باللّذة التي قد تَعْقُبُ خُمودَ الشّهوةِ المُصاحِبة لِطُموح أنْ يَصيرَ المبصرُ الأوْحدُ مَلكاً، إذا ما قُيّض له أن يقْتحم أرضاً بِكْراً، يَهيمُ فيها رهْطٌ من العُميان. سَيأْلف الغريبُ المكانَ، وبقَدْر ما "كان العالَمُ فيما وراء الجبال [مدينة بوغوتا، حيث وُلد ونشأ] ينْأى أكثرَ فأكثرَ، ويغدو غيرَ واقعيّ"، صار بإمكان نونيز التّخلي عن تلك النّظرة المُعمّمة إلى "الرّعية"، كي يُجهّز نفسَه لِحتْمية أنْ يَعْرفهم بِطباعهم الشّخصية، مُمنيَّا نفسَه بِحُلم أن يصير مُواطناً لمملكةٍ، استقرّتْ خيوطُ السُّلطة فيها، بِيَدِ مَلكٍ عجوزٍ يُدعى ياكوب. للقارئ أن يُراقب، وقد افترّ ثغرُه عن ابتسامةِ مَنْ فَطنَ للمصائر التي اعتاد ويلز أن يُفاجئ بها أبطال قصصِه؛ قُلنا إنّ القارئَ سيُراقبُ عن كَثبٍ حيْرة نينوز وقلقَه، لَمّا وَجَد نفسَه مُنجذبا، بشكلٍ بَدا له قَدَرِياًّ بشكل مُفجع ومُضحك في الآن نفسِه، إلى صُغرى بناتِ المَلِك وأقربِهنّ إلى قلْبه. ومهما يَكُن مِن أمْر هذا التّفصيل الصغير، إذ يُومئُ مِن بعيدٍ إلى حكايةٍ أصليّةٍ، إلى قصةٍ من "أحْسن القَصص": قصّة إيثارِ النبيّ يعقوب ابنَه يوسفَ على إخوتِه، فإنّ الفتاةَ المسماة ميدينا- ساروتي كانت تجسيداً متطرفاًّ لنَقيض الجمال الأُنثوي، بالمقاييس اللّمِسيّة طبعاً. ما مِنْ مُنافسٍ لنينوز في مسْعاهُ. وحدَه يخوضُ مِضْمار الاستحواذِ على قلب أميرةٍ ذات جمالٍ آسر. وبمزيجٍ مِن الأسف والغبطة، بِما فَضُل لديه من روح الشعر التي احتفَظ بها من ذكرياتِ "عالمِ ما وراء الجبال"، كان يَغرَقُ في تقاسيمِ وجهٍ " تبدو وكأنّها صِيغتْ من الفضة والغموض" قُيّض لها، وبمُصادفةٍ عمْياء، أن تُصنّف ضِمن سِجِلّ الدّمامة. ذلك ما يَسَّرَ لهُ فُرصةَ الحديثِ إليها، فكان أن حَصَلَ التقارُب وتولّدت الأُلفةُ بينهما، وباتا يَهْجسانِ بفكرة الزواج. يَنْسى نينوز، في غمرةِ ظفره بقلب الأميرة، أنّه ليس أكثر من "الخادم بوغوتا"، حسب تسميةٍ بها عمّده الملك لمّا آنس فيه الطاعة والخضوع. نَعمْ، لقد نَسِيَ نينوز أنّه لم يكن غيرَ "الخادم بوغوتا"، في أعيُن القوم المُنطفئة، مُجردَ "كائن دخيل، شيءٍ فاقد الأهليّة، لا يرْقى إلى أدنى مراتب الإنسان". النتيجةُ واضحةٌ، بل يُمكن لأيّ يدٍ أن تتحسّسها في العتمة: مُعارضةُ الزّيجة بِضراوةٍ، إذ تُهدد بنسْف سُمعة أخوات ميدينا- ساروتي، كما أنها تَعِدُ بفاجعة إفساد العِرق، حسب نُبوءات مَنْ يتحسّسون الخطرَ بأنامل مُرهَفة. ما كاد نينوز يُشفى من الألم المُتولّد عن تَدَنّيه إلى مرتبةٍ "أدنى من الإنسان"، مُلتمساً العزاءَ في نعمةِ النّظر إلى جمالٍ أنثويٍّ نادرٍ (لعله واحد من "الشوارد" التي لم يكن لأكثر الأيدي تمرُّسًا أنْ تكشِف سرّه)، حتّى عاجَلَهُ الإحباطُ مرةً ثانية: يتوهَّم أنّ الأميرةَ قد حدستْ ما يَعنيه بتلك الكلمة الغريبة [الرؤية]، في الوقت الذي تسعى فيه جاهدةً إلى إقناعه بشرطٍ حدّدهُ طبيبُ المملكة وحكيمُها، شرط يُخوّله وضعاً اعتبارياًّ، بحيث يُحلُّه مرتبةَ المُواطن الكامل من جهةٍ، ويَعْبُر بمُقتضاه من وَضاعةِ "الخادم بوغوتا" إلى نُبْلِ "الصّهر بوغوتا" الأقربِ إلى قلب الملك من جهةٍ أخرى. الشرطُ واضحٌ، بل يُمكن لأيّ يدٍ أن تتحسّسه في العتمة: إجراءُ "عمليةٍ جراحيةٍ بسيطةٍ، يتخلّص بفضلها من تشويشِ هذين الشّيئيْن البارِزَين، الشائِنيْن"، وخصوصاً من هذه الجُفون التي لا تهدأُ، فتُحمّل الدماغَ ما لا يُطيق من الاستثارة والتّشتت. عَبَسَ نينوز وتَولّى مُعرِضاً، بعد أن تملّى الجمالَ اللّانهائيّ الذي هو "بدايةُ الرُّعب"، كما أنشد ريلكه في المرثيّة الأولى من مراثي دوينو. غافَلَ الغريبُ القومَ في ليلةٍ ضاجّةٍ بموسيقى تنبعثُ من جهةٍ خفيّةٍ، حَثَّ الخُطى مُبتعدا أكثر فأكثر، وشَرَع بِحماسِ الآبِقِ في تسلّقِ الجبل الشّامخ، تدفعُه غِبطة التّحرر من قيْد أرضٍ غَدتْ بالنّسبة إليه اسماً آخَر لِلّعْنة.
لسنا في مقامٍ يسمح بِتَعقُّب التّفاصيل المَطْويّة في قصّة ويلز. يَمنعُنا من ذلك أنّها جُزئيات قد تُهدّد بالانسياق أبْعدَ من إضاءةِ الوضع المُزدوج لابن جني بِوصفه قارئاً استثنائيا للمتنبي. لِنَحُثَّ الخُطى بعيداً عن إغراء تلك التفاصيل، تماماً كما فعل نينوز وهو يبتعد عن لعنةٍ، كادت تَحرمُه أبدياًّ من رؤية جمال مدينته بوغوتا. مَنْ بِإمكانه أن يُقدّم ضماناتٍ موثوقةً تُجنّب القارئَ مغبةَ التخبّط الأعمى في ليل النَّص، خصوصاً وأن الأمر يتعلَّق بقصة تُحذّر من وَهْم الإحساس بالتّفوق، بالقدر نفسه الذي تَفضحُ فيه زيفَ كلِّ محاولةٍ لتطويع نظامٍ اكتملَ واستقَرَّ، كما هو شأن "البطل" في أمثولة الكهف لأفلاطون؟
على أنَّ ذلك لا يمنع من المُضِي نحو إقامةِ تضايفٍ بين حالةِ السيد نينوز والوضعِ المزدوج لِابن جنّي: الأولُ مبصرٌ بين العميان، بلا أفضليةٍ؛ أما الثاني فَبِفضل العاهة التي أصرَّ أبو الطيّب على التصريح بها، نال امتيازَ البَيْنِيَّة. لابن جني، بهذا المعنى، قدمٌ بين العميان وأُخرى بين المُبصرين. وإلى ذلك، فإنّ من الجائِز لمؤلِّف الفتح الوهْبِي على مُشكلات المتنبي أن يفخر بِتفوُّقه على قُرَّاء المتنبي قاطبةً، بل إنَّ من حقِّه أن يُباهي بِتفوُّقه على الشاعر نفسِه، ما دام يملك مفاتيحَ المُستغلق مِن أشعاره. بيد أنّ ما يُراعيه أبو الفتح، وقد عُرف بين مُعاصريه بِفطنةٍ مَشْفوعةٍ بالتَّواضُع والخجل، هو صَداقةٌ استثنائيةٌ جمعتْهُ بِشاعرٍ مثّل في "عَيْنِه" نموذجاً فريداً للتّماهي بين القولِ والفعلِ، شاطِباً بذلك على المُسلَّمة التي لم تَرَ في الشِّعر أبْعَدَ من قناعٍ يُخفي وجهَ الكذب: "أخبرَني شاعرُنا أبو الطيّب المتنبي، وما وجدناهُ إلّا صادقاً" و"كان أبو الطيب يقول ما يَعتقِدُ". رأى ابن جني ما رأى، مُخفياً سرّ تفوقِه على الجميع حين أنْصتَ بِصبرٍ لِموسيقى غامضةٍ، تنبعث من جهة خفيّةٍ، مِن مجهول اللغة وليلِها اللّانهائي، مُهتديا في خضمّ هذا الإنصات الصَّبور بمبدإٍ عَمَّدهُ بهذه التسمية "إمْساسُ الألفاظ أشباهَ المعاني". إن صداقةً من هذا النَّمط النَّادر والخلَّاق ما كانت لتُستوعَب في سياقٍ قلَّما انسجمتْ فيه القصيدةُ مع القاعدةِ، ذلك السياق الذي رسمتْ مشاهدَهُ كُتبٌ تَصِفُ بِدقَّةٍ العداوةَ المُرّة بين الشعراء والنُّحاة. وإن أبا الطيب وأبا الفتح كانا يُبشِّران بأُفق يفْتح بابَ الصداقة بين الشعراء وقُرَّائِهم، فلاسفةً ولُغويّينَ ومُترْجِمين ومُحقّقين، على مِصراعيْه. ولأنَّ الصداقة بين عبقريَّيْن لا تخلو من سُخريّة، ولن تَعدم حِصَّةً مِمَّا دعاهُ نيتشه لاحقاً "الضحكَ الذَّهَبي"، ولأنَّها تنطوي على إقصاءٍ ضروريٍّ لِطرفٍ ثالثٍ تُعوزه الفطنةُ وحضورُ البَديهةِ، فقد سطَّرتْ كُتبُ المجالس عديدَ الطَّرائف والمُداعبات التي جرَتْ بين الشاعر وشارحه. سنكتفي، في سياقٍ تتردَّدُ فيه أصداءُ التفوقِ والحُظوةِ والاستثناءِ والأفضليَّةِ والامتيازِ، بِخَبَرٍ وجيزٍ لعلَّهُ يُكثِّفُ كلَّ ما سبق، ويُعفينا من حَرَجِ أن نَتْرُكَ أبا العلاء وحيداً في ليل المُجالسة التأويلية. "يُروى أن المتنبي، قال مادحاً كافوراً الإخْشيدي:
وما طَرَبي لَمّا رأيتُك بِدْعَةً لقد كُنْتُ أَرْجو أنْ أَراكَ فَأطرَب
ولَمَّا انفضَّ مجلِس كافور، انفرد ابن جني بالمتنبي، وقال [بعد أن تَلَفَّتَ باذِلاً جُهداً مُعتبَراً، ومُقاوِماً الرغبةَ في الضَّحك]: ما زِدْتَ أن صيّرتَ الرَّجُلَ أبا زِنَةٍ [كُنية القرد]؛ فضحك أبو الطيب وقال: والله إنَّك أيُّها الأعور، لَأَعْلَمُ الناس بِشِعري".
يُقسِم المتنبي بالله معترفاً بِتفوُّق صديقه. يُلِحُّ في الجمع بين العاهة والتَّفوق، وكأنَّ الأُولى شرطٌ لازمٌ للثّاني، كأن بينهُما تضايُفاً. ليس ابن جني أعلمُ القُرّاء بشعره فحسب، إنه فوق ذلك كله "أعلمُ الناس". إن صدَّقْنا كلامَ المتنبي فـ"الناس"، بِمَنْ فيهم خُصومه ومُعجَبوه، لا يَرقونَ إلى "أدنى مراتبِ الإنسان"، لا يُجاوِزون منزلةَ القِردَة، إنَّهم وللمفارقةِ يُبصرون ولا يُبصرون، يُنصتون بِغَيْرِ أن يُدرِكوا نظاماً خاصاًّ استعصى عليهم فكُّ شفراتِه، إنْ جاز أن نستعيد حالةَ السيّد نينوز. يُقسِمُ المُتنبي في سياق ساخرٍ، هو الذي شَهِد لهُ أبو الفتح باِلصِّدْق "حصرياًّ"، غير أنَّ لِلدَّهر، في تواطُئِه مع مقصِدية اللغة، رأياً آخر..
ما يُقارب العقد مِن مقتلِ المتنبي، سينشأُ في معرَّة النُّعمان نابغةٌ يُشاطر أبا الطيب اسمَه (أحمد)، وسيقتحمُ مِضمارَ الشعر في "رُبّان حداثتِه"، مُقتدياً بالنَّبرة الواثقة التي تَصْدَحُ بها قصائدُ أبي الطيب. ولئن تخلَّى عن تلك النبرة بعد عودته من بغداد، وهو لم يُشفَ بَعْدُ مِن جُرح فُقدان أمِّهِ؛ لئن كان المعري قد قَطَعَ مع الأغراض التي من المُحتمَل أن تُنزله منزلةَ الشاعر المُستسلِم لِسطوة "المَيْن" (لِمَ يُؤْثِر هذا اللفظَ على لفظِ الكذب؟)، فقد كان أَبْعَد مِن أَنْ يكون ابناً عاقاًّ لأبي الطيب، للأب المُتَبَنَّى. لا ريب أن مؤلِّف رسالة الغُفران لن يغفر للمستشرق الإسباني آسين بلاسيوس اكتشافَه الثمين، حين نبّه إلى تَبَدُّدِ أصداء من رسالة المعري في الكوميديا الإلهية. بالطبع، لن يَرضى المعري، حيث هو الآن، بِصُحبة شاعر إيطالي عاش بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد، شاعرٍ من فلورنسا يَدَّعي نفرٌ من الغُرباء نِسْبَته إليه. في المقابل سيُباهي حفيد التَّنوخِيّين بكل تضايُفٍ يَصِلُه بالمتنبي، لِيُؤلّف على غرار ابن جني، كتابيْن اجتهد من خلالهما في مُلاحقة شوارد "الشاعر": اللامعُ العَزيزي في شرح ديوان المتنبي، وكتاباً آخر يُلقي عنوانه الثّريا بِضوءِ يَهْدي إلى الخَفِيّ من وشائجَ تَصِلُ الشعرَ بالنبوة و"المُطلق الأدبيّ"؛ نَخُصُّ بذلك شرحَه البديع مُعجِزُ أحْمَد.
لا تَخْلو الصداقة من منافسةٍ، إذ الصّديق كما كَتب التّوحيدي، نقلاً عن أرسطوطاليس، "إنسانٌ هو أنتَ، إلّا أنَّهُ بالشَّخص غيرُك". تتعزَّزُ هذه الصّلة حين يتعلق الأمر بالأدب، بما هو ساحةٌ للتَّباري، ومضمارٌ لِتخطّي المقاييس. يكفي أن نتأمَّل الشراسة المُصاحبة لإعادة ترجمةِ نصٍّ أدبيٍّ أو تحقيقِه أو شرحِه، كي نتحقَّقَ من رغبةِ المُترجم والمُحقّق والشّارح في إزاحةِ من يُنازعه القدرةَ على معرفةِ "أحشاءِ النص". وفي كل الأحوال، فإنّ القراءةَ تَعثُرُ على انكشافِها الخلّاق في الفعاليات الثلاث المشار إليها، أمّا دون ذلك فيبقى محْض إلْماعاتٍ تُومِضُ أحياناً بضوء الترجمة أو التحقيق أو الشرح.
مُلاحقاً الشّوارد، ومُبلِّغاً الأبَ المُتَبنّى "ما ليس يَبْلُغُهُ من نفسه الزَّمنُ"، فاقَ المعري ابنَ جنّي في مِضمار التّضايف. تَسْنُده في ذلك هِبةُ فقدانٍ مُكتمِلٍ للبَصر؛ هِبةٌ تَشُدُّه إلى بورخيس، رغم أنَّ الأديب الأرجنتيني تحاشى الإشارةَ إلى ضرير المعرة حين عدّدَ، في محاضرةٍ عن مديح العمى، أفرادَ سُلالته "الرّفيعة"، سُلالة قِوامها لائحةٌ من أسماء شخصياتٍ أسطوريةٍ وشعراءَ وفلاسفةٍ مَكْفُوفين. نتأسَّفُ، ولِأَسَفِنا أسبابُه المتصّلة بـ "حَماسةٍ" وحَرَجٍ من "هَوانِ الآباء والأجداد" مُبَرَّرَيْنِ، على غياب اسمِ المعري من قائمةِ شجرةِ النسب التي انْتقاها بورخيس، بيد أنّنا نتعامى عن حقيقةٍ مفادها أن صاحب تسع مقالات حول دانتي قد حَدَسَ في اكتشاف آسين بلاسيوس خيبةَ أملٍ أخْفاها بِمَكْرٍ، إحباطاً مُراًّ أَفْضَتْ إليه مُصادفةٌ عمياءُ: أن يكونَ بين دانتي والمعري تضايُفاً من الصنف الذي عبر بورخيس عن تَضايُقه منه، غير ما مرّة، في قصائده ونصوصه؛ حين ذَمَّ الأبوّةَ والمرايا لأنَّها تُضاعِفُ البشر.
وبَعْدُ،
فَبِقدر ما كان أبو الطيّب صادقاً في اعترافه بِأفضليَّة الصديق، بالقدر عينه الذي كانت فيه مقصديةُ اللغة أصدقَ، إذ كشفتْ بتواطؤ مع الدهر أن هناك من هو "أعْلمُ الناس" بِشوارد الشاعر. ونحن نَحُثُّ الخُطى فَجْراً، مُوَدِّعينَ الجمالَ اللَّانهائي والمرعبَ لبلد العُميان، مُبتَعدين بِحذرٍ ورهْبةٍ كما فعل نينوز، لنا أن نكْتفي بِخبرٍ شَكَّلَ الحافزَ الأوَّل لِرُكوبِ خطرِ الكتابة عن العمى، وما يشُدُّه إلى القراءة من وشائجَ: "لمّا فرغ أبو العلاء المعرّي من تصنيف كتابه اللّامع العزيزي، وقُرئ عليه، أخذ الجماعةُ في وَصْفه والثّناء على صَنْعَتِهِ؛ فقال: كأنّما نَظَر المتنبي إلَيَّ بِلَحْظِ الغَيْبِ، حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعْمى إلى أدبي وأسْمعت كلماتي من به صَمَمُ
في مُستَهَلِّ القرن السابع للهجرة، سينشغل النَّحْوي الضَّرير مُحِبُّ الدين أبو البقاء العُكْبري بشرح ديوان المتنبي، مستأنفاً الإنصات لمن نَعَت نفسه "الطائرَ المَحْكِيّ"، ومُعْرِضاً عن أصداءِ ما سَيَفْجَعُ الشعرَ العربي، في أزمنة الهَوان والتَّقهقُر، من خُفوتٍ وانطفاء.. وسيكتُبُ شارحا البيتَ ذائعَ الصّيت، واضعاً نُصْبَ عَيْنَيْه التَّضايُفَ بين الابن والأب المُتبَنَّى: " يُريد [المتنبي]: أنا الذي شاع أدبي، واسْتبانَ مَوْضِعي، فَثَبتَ في العقول، وتَمكَّن في القلوب، فرآهُ من لا يُبْصُر، وأسمعتْ كلماتي مَنْ لا يَسْمَع. وكان المعري إذا أُنشِد هذا البيتَ قال: أنا الأعمى".