samedi 9 mai 2026
كتاب الرأي

المصطفى قاسمي: الأستاذ الجامعي أحد أعمدة النخبة الفكرية وفاعلًا مركزيًا في إنتاج الشرعية العلمية والسياسية

المصطفى قاسمي: الأستاذ الجامعي  أحد أعمدة النخبة الفكرية وفاعلًا مركزيًا في إنتاج الشرعية العلمية والسياسية المصطفى قاسمي

مقدمة:

لم يعد النقاش حول ولوج الأستاذ الجامعي لمهنة المحاماة مجرد جدل مهني ضيق، بل أضحى يعكس تحولات عميقة تمس بنية الحقول القانونية، ووظيفة المعرفة، وموقع النخب داخل المجتمع. فالأستاذ، باعتباره منتجًا للمعرفة القانونية ومساهمًا في بناء الدولة القانونية، يجد نفسه اليوم أمام مفارقة بنيوية: مكانة رمزية عالية تقابلها هشاشة اجتماعية ومادية متزايدة.

 

في هذا السياق، يطرح سؤال جوهري:
هل يشكل انفتاح مهنة المحاماة على الأستاذ الجامعي تهديدًا لتوازنها، أم مدخلًا لإعادة تأهيلها وتعزيز وظيفتها القيمية؟

المبحث الأول: التحول في الوضع الاجتماعي والمادي للأستاذ الجامعي

 

المطلب الأول: تآكل المكانة الاجتماعية للأستاذ

تقليديًا، كان الأستاذ الجامعي يشكل أحد أعمدة النخبة الفكرية، وفاعلًا مركزيًا في إنتاج الشرعية العلمية والسياسية. غير أن التحولات السوسيو-اقتصادية أفرزت نوعًا من:

 تراجع الاعتراف المجتمعي
 تقلص التأثير العمومي
 تهميش الدور الاستشاري في صناعة القرار

هذا التحول يعكس انتقال المجتمع من نموذج “سلطة المعرفة” إلى نموذج “سلطة السوق”.

 

المطلب الثاني: الهشاشة المادية وتحدي الكرامة المهنية

رغم الأدوار الحيوية التي يؤديها الأستاذ، فإن وضعيته المادية لا تعكس:

 حجم مسؤوليته العلمية
 ولا مكانته المفترضة داخل هرم الدولة

 

مما يدفع إلى البحث عن:
 مسارات مهنية موازية تحفظ الكرامة وتعزز الاستقلالية

وهنا تبرز المحاماة كخيار طبيعي، لا باعتبارها ملاذًا اقتصاديًا فقط، بل امتدادًا وظيفيًا للمعرفة القانونية.

المبحث الثاني: الأساس الدستوري والقانوني لولوج الأستاذ إلى المحاماة

المطلب الأول: حرية الولوج إلى المهن في المنظور الدستوري

تؤطر الدساتير الحديثة، ومن بينها الدستور المغربي، مبدأ:

 حرية المبادرة
 المساواة في الولوج إلى الوظائف والمهن

وعليه، فإن تقييد ولوج الأستاذ إلى مهنة المحاماة يطرح إشكال:

 مدى احترام مبدأ المساواة
 وحدود المشروعية في فرض قيود فئوية

المطلب الثاني: المحاماة كمجال مفتوح للكفاءة لا للانغلاق

 

المحاماة ليست امتيازًا مغلقًا، بل:

 مهنة قائمة على الكفاءة والاستحقاق
 تستمد مشروعيتها من خدمة العدالة لا من احتكار الولوج

ومن هذا المنطلق، فإن إدماج الأستاذ الجامعي:

 يعزز جودة الممارسة
 ويضخ بعدًا نظريًا في العمل التطبيقي

المبحث الثالث: أثر انفتاح المحاماة على الأستاذ الجامعي

المطلب الأول: إعادة التوازن بين النظرية والممارسة

لطالما عانى الحقل القانوني من فجوة بين:

 المعرفة الأكاديمية
 والممارسة المهنية

 

دخول الأستاذ إلى المحاماة من شأنه:

 تقليص هذه الفجوة
 تطوير الاجتهاد القانوني
 تعزيز جودة الترافع

المطلب الثاني: الارتقاء بالرسالة الأخلاقية للمحاماة

إذا كانت المحاماة رسالة قبل أن تكون مهنة، فإن الأستاذ:

 يحمل تكوينًا قيميًا وأخلاقيًا
 يؤمن بوظيفة القانون كآلية لتحقيق العدالة

وبالتالي، فإن حضوره داخل المهنة يساهم في:
 إعادة توجيهها من منطق السوق إلى منطق الرسالة

المطلب الثالث: نحو نموذج تكاملي للنخب القانونية

 

بدل منطق الصراع بين:

 الأستاذ الجامعي
 والمحامي الممارس

يجب التفكير في نموذج تكاملي يقوم على:

 تبادل الخبرات
 تكامل الأدوار
 خدمة العدالة كغاية مشتركة

 

خاتمة

إن مسألة ولوج الأستاذ الجامعي إلى مهنة المحاماة ليست قضية فئوية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة النظام القانوني على:

 استيعاب الكفاءات
 تجديد ذاته
 التوفيق بين الحرية والتنظيم

إن رفض هذا الانفتاح بدعوى حماية المهنة، يخفي في عمقه نزعة انغلاقية تتعارض مع روح الدستور ومنطق التطور.

في المقابل، فإن تبني مقاربة منفتحة ومسؤولة من شأنه أن:

 يعيد الاعتبار للأستاذ
 ويعزز جودة المحاماة
 ويساهم في بناء عدالة أكثر كفاءة وشرعية.

 المصطفى قاسمي، استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية.