samedi 9 mai 2026
كتاب الرأي

محمد هرار : التطرف والغلو.. حين تختفي الأسئلة الحقيقية

محمد هرار : التطرف والغلو.. حين تختفي الأسئلة الحقيقية محمد هرار

تبدو ظاهرة التطرف والغلو أعمق من أن تُختزل في مجرد تناول إعلامي عابر أو تفسير سطحي يركز على المظاهر دون الغوص في الجذور. فهي في جوهرها، تقتضي مقاربة سوسيولوجية مركّبة تستحضر تداخل العوامل الثقافية والاقتصادية، وتضع الظاهرة في سياقها التاريخي والمجالي، بما يسمح بفهم دينامياتها بدل الاكتفاء بوصف نتائجها.

ذلك أن ما نشهده يظل لافتا في سياق مجتمع الشمال، الذي ظل لعقود يُقدم كنموذج نسبي للاستقرار والتعايش، رغم خصوصياته الجغرافية وقربه من سبتة ومليلية، وما يرافق ذلك من تفاعلات اقتصادية وثقافية معقدة. ومع ذلك، لم تكن هذه الخصوصية تفضي في السابق، إلى بروز مثل هذه الظواهر بالحدة نفسها، وهو ما يدعو إلى التساؤل حول التحولات العميقة التي طرأت على بنية هذا المجتمع في السنوات الأخيرة.

ومن هذا المنطلق، يبدو من الضروري توسيع زاوية النظر لتشمل محددات اجتماعية واقتصادية قد لا تحظى دائما بما يكفي من الاهتمام في بعض القراءات المتداولة. فمسألة البطالة في وسط الشباب، على سبيل المثال، لا يمكن اختزالها في أرقام وإحصاءات، بل ينبغي فهمها في ارتباطها بإحساس متزايد بانسداد الأفق، خاصة حين لا تنعكس المشاريع التنموية الكبرى بشكل ملموس على الفئات المحلية، سواء من حيث فرص الشغل أو الإدماج الاقتصادي الفعلي.

ولعل من المفيد هنا التوقف عند تداعيات إغلاق المعابر، التي شكلت، لسنوات طويلة، مورد رزق مباشر وغير مباشر لشرائح واسعة من السكان. فقد أدى هذا التحول إلى فقدان عدد كبير من الأفراد لمصادر دخلهم، دون أن تتوفر بدائل كافية بالسرعة المطلوبة، مما ساهم في خلق حالة من الهشاشة الاجتماعية والشعور بالتهميش، وهي بيئة قد تستثمر من قبل بعض الخطابات المتطرفة التي تجد في الإحباط أرضية خصبة للانتشار.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوز ذلك إلى إشكالية أعمق تتعلق بمدى ملاءمة السياسات التنموية لخصوصيات المجال المحلي، ومدى إشراك الساكنة في الاستفادة الفعلية من ثمار هذه المشاريع. فالتنمية، في بعدها الشامل، لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل بقدرتها على خلق أثر اجتماعي متوازن يحد من الفوارق ويعزز الشعور بالانتماء والكرامة.

إن مقاربة ظاهرة التطرف والغلو تفرض تجاوز القراءات الاختزالية التي تكتفي بتوصيف النتائج أو البحث عن تفسيرات جاهزة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة الظاهرة في تجلياتها الظاهرة، بل في القدرة على تفكيك الشروط التي تسمح بنشأتها وانتشارها.

ذلك أن بناء سياسات ناجعة يمر، بالضرورة، عبر إعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي في التحليل، وربط التنمية بأثرها الفعلي على الإنسان، لا بمجرد مؤشرات رقمية أو مشاريع معزولة عن محيطها. فحين يشعر الفرد بأنه جزء من معادلة التنمية، وبأن له مكانا ودورا وأفقا، تتراجع قابلية

الانجذاب نحو الخطابات المتطرفة، لصالح الانخراط في مسارات أكثر توازنا وإيجابية. ومن ثم، فإن الرهان لا يتعلق فقط بمحاصرة التطرف، بل ببناء بيئة اجتماعية واقتصادية وثقافية تُضيق من إمكانيات ظهوره، وتفتح، في المقابل، آفاقا أوسع للاندماج والأمل.