samedi 9 mai 2026
كتاب الرأي

حميد النهري: ظواهر سلبية قبيل انتخابات 2026 .. هل نحن أمام نفور جديد للسياسة بجهة طنجة؟

حميد النهري: ظواهر سلبية قبيل انتخابات 2026 .. هل نحن أمام نفور جديد للسياسة بجهة طنجة؟ حميد النهري

ملاحظة يمكن تسجيلها مع اقتراب موعد انتخابات 2026 هي عودة قوية لنفس المشهد السياسي السلبي الذي عانينا منه خلال محطات انتخابية سابقة، والذي يأبى للأسف إلا أن يفرض نفسه من جديد كمعطى مؤثر داخل عدد من جهات المغرب، ومنها مدن جهة طنجة تطوان الحسيمة.

والمثير للانتباه أن ممارسات هذا المشهد تتجاوز في كثير من الأحيان مختلف القوانين والتوصيات ومخرجات اللقاءات التشاورية بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية، والتي كان آخرها الاجتماع المنعقد يوم 07 ماي 2026، والذي أكد مجددا على ضرورة احترام قواعد النزاهة وتكافؤ الفرص وتخليق الحياة السياسية.

بطبيعة الحال تبقى حركية الأحزاب السياسية خلال هذه المرحلة أمرا طبيعيا بسبب قرب الانتخابات التشريعية وما تفرضه من تنافس بين مختلف التنظيمات السياسية.
لكن الإشكال الحقيقي هو أن هذه الحركية تبدو في ظاهرها سياسية، بينما تتحول في جوهرها في كثير من الأحيان إلى مجرد صراع نفوذ وتحكم في التزكيات والخرائط الانتخابية، بصورة تسيء إلى السياسة وإلى الانتخابات معا.

وقد برزت خلال السنوات الأخيرة بعض الظواهر التي أصبحت تتكرر بشكل يكاد يكون عاديا مع اقتراب أي استحقاق انتخابي.

أولا: ظاهرة (مهندسي الانتخابات)
وهي ظاهرة تعكس بروز أشخاص يقدمون أنفسهم كوسطاء فوق الأحزاب، يتحركون بين تنظيمات سياسية متعددة ويتدخلون في الترشيحات وكأنهم أوصياء على القرار الحزبي وعلى مستقبل بعض المدن.

والأخطر من ذلك أن هذا السلوك لم يعد يتم في الخفاء، بل أصبح يسوق بثقة كبيرة، إلى درجة أن جزءا من الرأي العام بات يروج لهذه الظاهرة أو يعتقد فعلا أن مصير الانتخابات يحسم مسبقا داخل شبكات النفوذ لا داخل صناديق الاقتراع.
وهنا تكمن خطورة هذا الخطاب، لأنه لا يضرب فقط صورة الأحزاب، بل يضرب ثقة المواطن في صوته وفي معنى المشاركة السياسية نفسها.

ثانيا: ظاهرة (الوصاية العائلية)
من جهة أخرى، عادت أيضا ظاهرة لا تقل خطورة، وهي ظاهرة الوراثة السياسية العائلية التي انتشرت في بعض مدن الجهة، وتحول فيها التمثيل السياسي إلى امتداد للنفوذ العائلي، حتى أصبح يُتعامل مع بعض المواقع الانتخابية وكأنها حق خاص ينتقل داخل نفس الدوائر والأسماء.

بل الأخطر أن هذا المنطق يسوّق أحيانا على أنه (الحل الوحيد)، وأن بعض الأسماء أو العائلات هي وحدها القادرة على التحكم في مصير بعض المدن، رغم الحصيلة السلبية التي أفرزتها أحيانا بعض التجارب السابقة.

وفي ظل هذا الواقع يصبح المواطن أمام مشهد سياسي مغلق:

  • التزكيات تفصل على المقاس

  • الكفاءات تهمش

  • النفوذ المالي يسبق النقاش السياسي

وتقدم بعض المواقع وكأن لها أسماء جاهزة سلفا تمارس عليها نوع من الوصاية السياسية غير المعلنة. وهنا تبدأ الثقة في التآكل تدريجيا، وتصبح المشاركة السياسية بالنسبة لجزء من المواطنين مجرد إجراء بلا جدوى.

أزمة أخطر من مجرد انتخابات
المغرب اليوم، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، وفي ظل رهانات استراتيجية مرتبطة بالاستثمار والتنمية وأفق 2030، يحتاج إلى:
مؤسسات قوية، أحزاب ذات مصداقية، ونخب قادرة على الإقناع والتدبير وتحمل المسؤولية.

لكن لا يمكن بناء ذلك إذا استمرت بعض الممارسات التي تختزل السياسة في: شبكات النفوذ، التحكم في التزكيات، إعادة إنتاج نفس الوجوه، وتقديم المال أو القرابة العائلية باعتبارهما معيارا للقوة السياسية.

إن دستور المملكة المغربية لسنة 2011، حين جعل الأحزاب مؤسسات للتأطير والتعبير عن الإرادة السياسية، كان يهدف إلى بناء حياة ديمقراطية قائمة على التعددية والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا على منطق الوصاية والاحتكار غير المعلن للقرار الانتخابي.

مسؤولية مشتركة
لهذا فإن المسؤولية اليوم مشتركة:

  • مسؤولية السلطات في حماية نزاهة المسار الانتخابي وضمان تكافؤ الفرص

  • مسؤولية الأحزاب في استعادة استقلال قرارها الداخلي

  • مسؤولية الناخب في عدم تصديق هذه الظواهر

لأن الناخب مطالب اليوم بأن يرفض تحويل السياسة إلى مجرد (ميركاتو انتخابي)، وأن يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تراجع المشاركة السياسية، بل أن يقتنع المواطن تحت تأثير بعض الأصوات التي تروج لهذه الظواهر وكأنها قدر لا مفر منه، بأن صوته لم يعد قادرا على التغيير.

وعندها لن نكون أمام أزمة انتخابات فقط، بل أمام أزمة ثقة عميقة في السياسة نفسها. 

 

حميد النهري 
أستاذ جامعي، جامعة عبد المالك السعدي