samedi 9 mai 2026
كتاب الرأي

سعيد الناوي: هل غدا المحامي ابن ساعته؟

سعيد الناوي: هل غدا المحامي ابن ساعته؟ سعيد الناوي

يُقصد بتعبير “المحامي ابن ساعته” ذلك المحامي الذي يعيش أسير اللحظة، فيتعامل مع مهنة المحاماة باعتبارها وسيلة لتحقيق مكاسب آنية أو شهرة ظرفية، دون أن يؤسس لنفسه مشروعاً علمياً أو أخلاقياً أو مهنياً ممتداً. وهو تعبير يحمل دلالة نقدية عميقة، لأن المحاماة ليست مهنة وقتية مرتبطة بردود الأفعال، وإنما رسالة قانونية وأخلاقية تتطلب التكوين المستمر، والاستقلال الفكري، والالتزام بقيم العدالة.

لقد عرفت مهنة المحاماة عبر التاريخ بأنها مهنة النخبة الفكرية والقانونية، حيث كان المحامي يمثل ضمير المجتمع والمدافع عن الحقوق والحريات. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية الحديثة أفرزت أحياناً نماذج جديدة من الممارسة المهنية، أصبح فيها بعض المحامين يبحثون عن الحضور الإعلامي السريع أكثر من البحث القانوني الرصين، أو يسعون إلى كسب القضايا بمنطق الإثارة لا بمنطق الحجة القانونية. ومن هنا يظهر نموذج “المحامي ابن ساعته”، الذي يتأثر بالاتجاهات العابرة وبالضغوط الاجتماعية والإعلامية أكثر من تأثره بقواعد القانون وأخلاقيات المهنة.

ويبدو هذا النموذج في عدة مظاهر؛ منها ضعف التكوين العلمي، والاعتماد على الجاهز والمنقول، وعدم تطوير الثقافة القانونية، فضلاً عن الانخراط في القضايا بحثاً عن الشهرة أو التأثير الرقمي. كما يظهر أيضاً في غياب الرؤية المهنية طويلة الأمد، حيث يتحول المحامي إلى مجرد فاعل ظرفي يتكيف مع كل وضع بحسب مصلحته الآنية، ولو على حساب المبادئ المهنية الأساسية مثل الاستقلال والنزاهة والسر المهني.

إن أخطر ما في هذا النموذج أنه ينعكس سلباً على صورة العدالة والثقة في مؤسسة الدفاع. فالمحامي ليس مجرد وكيل عن موكله، بل هو شريك في تحقيق العدالة، ومساهم في حماية الأمن القانوني. ولذلك فإن اختزال المحاماة في الربح السريع أو الحضور الإعلامي المؤقت يفقدها بعدها الرسالي، ويحولها إلى نشاط تجاري فارغ من قيمته الإنسانية والقانونية.

وفي المقابل، فإن المحامي الحقيقي هو الذي يبني نفسه بالعلم والتجربة والالتزام الأخلاقي، ويعتبر كل ملف فرصة لإحقاق الحق لا مجرد وسيلة للربح. وهو الذي يدرك أن قيمة المحامي لا تُقاس بعدد القضايا المثيرة التي يترافع فيها، وإنما بمدى احترامه للقانون، وقدرته على الإقناع، واستقلاله الفكري، وأثره في تطوير العدالة والمجتمع.

إن مواجهة ظاهرة “المحامي ابن ساعته” تقتضي تعزيز التكوين المستمر، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وربط ممارسة المحاماة بالبحث العلمي والثقافة القانونية الواسعة. كما تقتضي من الهيئات المهنية أن تُعيد الاعتبار للمحاماة باعتبارها رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية اجتماعية قبل أن تكون مجالاً للكسب.

وفي النهاية، فإن المحامي الذي يعيش للحظة فقط قد يحقق حضوراً عابراً، لكنه لا يصنع تاريخاً مهنياً حقيقياً. أما المحامي الذي يؤمن برسالة العدالة، فإنه يبقى أثره ممتداً في القانون والقضاء والمجتمع، حتى بعد انتهاء القضايا وتغيّر الأزمنة.

سعيد الناوي، مجام بهيئة الدار البيضاء