من أكثر القضايا الفكرية والدينية إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي قضيةُ العقيدة وحدودُ الاختلاف فيها، لأن العقيدة ليست مجرد تصورات ذهنية جامدة، بل هي الإطار الذي يصوغ فهم الإنسان للدين وللعالم ولعلاقته بالله تعالى. ومن داخل هذا التاريخ الطويل برزت العقيدة الأشعرية باعتبارها واحدة من أهم المدارس الكلامية التي أثرت في الوعي الإسلامي السني عبر قرون متطاولة، حتى أصبحت المرجعية العقدية لغالبية المسلمين في المشرق والمغرب، وتبنّتها جامعات كبرى ومؤسسات علمية عريقة، وارتبطت بأسماء كبار العلماء والمفسرين والفقهاء والمحدثين والمتصوفة. ومع ذلك، فإن هذه المدرسة لا تزال إلى اليوم هدفاً لحملات التكفير والتبديع من بعض الاتجاهات السلفية المعاصرة التي ترى أن الأشاعرة انحرفوا عن “العقيدة الصحيحة”، بينما يرى جمهور علماء الأمة أن الأشعرية كانت محاولة عقلية سنية لحماية التوحيد والدفاع عن الإسلام في مواجهة الانحرافات الفكرية والفلسفية .
لقد نشأت العقيدة الأشعرية في سياق فكري معقد عرف صراعات حادة بين المعتزلة وأهل الحديث والفلاسفة والحركات الباطنية وغيرهم. وكان الإمام أبو الحسن الأشعري (260 - 324 هـ/ 874 - 936 م) قد مرّ بتجربة فكرية طويلة انتهت إلى بناء مشروع عقدي يقوم على التوفيق بين النص والعقل، وبين النقل الصحيح والاستدلال العقلي المنضبط. فلم يكن مشروعه خروجا على الإسلام كما يصوره بعض خصومه، بل كان دفاعاً عن عقيدة أهل السنة بأساليب عقلية جديدة تناسب عصره. ولهذا رفض الإمام الأشعري الغلو الاعتزالي الذي جعل العقل حاكماً مطلقاً على النصوص، كما رفض في المقابل الجمود الحرفي الذي يؤدي إلى التشبيه والتجسيم أو إلى تعطيل العقل عن أداء وظيفته .
ومن هنا تميزت العقيدة الأشعرية بمنهج وسطي قائم على تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات مع إثبات ما ورد في النصوص من غير تجسيم ولا تعطيل. فحين تناول الأشاعرة الصفات الإلهية مثلاً، لم ينكروا صفات الله كما اتُّهموا، وإنما حاولوا فهمها بطريقة تحفظ قدسية الله (جل جلاله) وتنفي عنه الحدود والأعضاء والأبعاد البشرية . ولذلك لجؤوا أحياناً إلى التأويل في بعض النصوص المتشابهة، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. بينما رأت بعض الاتجاهات السلفية أن هذا التأويل بدعة وخروج عن ظاهر النص .
والاختلاف هنا في جوهره ليس اختلافاً بين مؤمن وكافر، بل هو اختلاف في مناهج الفهم والاستدلال . فالأشاعرة يؤمنون بالله ورسوله والقرآن واليوم الآخر وسائر أركان الإيمان، ويصلون إلى القبلة نفسها، ويعظمون النصوص الشرعية، ويستندون إلى الكتاب والسنة والإجماع. ولذلك اعتبر كبار علماء الأمة أن الخلاف بينهم وبين غيرهم من مدارس أهل السنة هو خلاف اجتهادي لا يبرر التكفير ولا الإخراج من الإسلام .
وقد انتشرت العقيدة الأشعرية في العالم الإسلامي لأسباب عديدة، أهمها أنها استطاعت أن تقدم صياغة عقلية متوازنة للعقيدة الإسلامية في مواجهة التحديات الفكرية التي عرفتها الحضارة الإسلامية . فقد وجد فيها العلماء والفقهاء إطاراً يحقق التوازن بين الإيمان والعقل، وبين التدين الروحي والانضباط العلمي. ولهذا تبنتها المدارس الإسلامية الكبرى كالقرويين والأزهر والزيتونة، واعتُمدت في المذاهب الفقهية السنية الكبرى، خاصة عند المالكية والشافعية، بل حتى عند كثير من الحنفية .
أما في المغرب، فإن اختيار العقيدة الأشعرية لم يكن قراراً عفوياً أو مجرد تقليد تاريخي، بل كان مرتبطاً بطبيعة الشخصية المغربية التي تميل إلى الاعتدال والوسطية والوحدة والاستقرار الديني. فالمغرب منذ قرون طويلة بنى هويته الدينية على ثلاثية متكاملة: الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني الجنيدي. وهذه المنظومة لم تتشكل عبثاً، بل لأنها كانت قادرة على حماية المجتمع من التطرف والغلو والانقسام. فالعقيدة الأشعرية في التجربة المغربية لم تكن مجرد جدل كلامي نظري، وإنما كانت أداة لصيانة الوحدة المذهبية والفكرية، وحاجزاً ضد النزاعات العقائدية التي مزقت مجتمعات أخرى .
كما أن الأشعرية المغربية اتسمت بمرونة كبيرة، فلم تدخل في صدام مع العلوم العقلية أو الفلسفية أو الصوفية المعتدلة، بل حاولت استيعابها ضمن رؤية إسلامية متوازنة. ولذلك استطاعت أن تنتج علماء كباراً جمعوا بين الفقه والتصوف والفكر، وأسهموا في بناء الحضارة المغربية والإسلامية.
غير أن هذا لا يعني أن العقيدة الأشعرية فوق النقد أو أنها لا تحتاج إلى تجديد. فكل تراث بشري قابل للمراجعة والتطوير بحسب تغير الأزمنة والأسئلة الفكرية الجديدة. إن كثيراً من كتب الكلام القديمة كُتبت في سياقات فلسفية لم تعد قائمة اليوم، وكانت تناقش قضايا مرتبطة بالفلسفة اليونانية أو بصراعات المعتزلة والباطنية، بينما يواجه المسلم المعاصر أسئلة مختلفة تتعلق بالإلحاد والعلمانية والعدمية والذكاء الاصطناعي وفلسفات ما بعد الحداثة. ولذلك فإن تجديد الخطاب الأشعري لا يعني هدمه أو التخلي عنه، بل يعني إعادة صياغته بلغة معاصرة قادرة على مخاطبة العقل الحديث، مع الحفاظ على جوهره القائم على التوازن والاعتدال.
إن المشكلة الكبرى اليوم ليست في وجود اختلافات عقدية بين المسلمين، فهذا أمر طبيعي وقع منذ القرون الأولى، وإنما في تحويل هذه الاختلافات إلى معارك تكفيرية. فبعض التيارات السلفية المعاصرة - للأسف - تتعامل مع الأشاعرة وكأنهم خارج دائرة أهل السنة أو حتى خارج الإسلام، مع أن كبار علماء الأمة عبر التاريخ لم يقولوا بذلك. بل إن أعلاماً كباراً كالإمام النووي، وابن حجر العسقلاني، والبيهقي، والقرطبي، والعز بن عبد السلام، وفخر الدين الرازي، وأبي حامد الغزالي وغيرهم كانوا أشاعرة أو قريبين من المنهج الأشعري، فهل يُعقل أن تكون الأمة قد ضلت قروناً طويلة ثم اكتشفت “العقيدة الصحيحة” فقط في العصر الحديث ؟!.
إن ظاهرة تكفير الأشاعرة تكشف في الحقيقة أزمة أعمق تتعلق بفهم الدين نفسه. فبعض الاتجاهات الإسلامية المعاصرة اختزلت الإسلام في فهم حرفي ضيق، وألغت تاريخ الاجتهاد الإسلامي الواسع، واعتبرت نفسها الممثل الوحيد للحقيقة المطلقة. وهذه الذهنية تؤدي بالضرورة إلى إقصاء المخالف وتبديعه ثم تكفيره. بينما المنهج الإسلامي الأصيل يقوم على التفريق بين القطعيات والظنيات، وبين أصول الدين التي لا يجوز إنكارها، والمسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف.
والأخطر من ذلك أن خطاب التكفير لا يبقى مجرد نقاش نظري، بل يتحول إلى أرضية خصبة للتطرف والعنف والانقسام المجتمعي . فحين يُربّى الشباب على أن ملايين المسلمين من الأشاعرة “منحرفون” أو “مبتدعة” أو “جهمية”، فإن ذلك يزرع الكراهية داخل الأمة ويحوّل الدين من رسالة رحمة إلى أداة صراع. بينما القرآن الكريم يدعو إلى وحدة المسلمين وعدم تمزيق الأمة بسبب الخلافات الفكرية، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
ومن المفارقات أن كثيراً من الذين يكفرون الأشاعرة يرفعون شعار اتباع السلف، مع أن السلف أنفسهم كانوا أكثر تسامحاً في قضايا الخلاف العقدي مما يظنه هؤلاء. فلم يكن الأئمة الكبار يسارعون إلى تكفير المخالف، بل كانوا يدركون خطورة الحكم على عقائد الناس. ولذلك قرر العلماء قاعدة عظيمة تقول: “الخطأ في ترك ألف كافر خير من الخطأ في سفك دم مسلم واحد”. فكيف بمن يكفّر جمهور الأمة وعلماءها ومؤسساتها الدينية عبر قرون؟
إن النقد العلمي للعقيدة الأشعرية حق مشروع، كما أن نقد أي مدرسة فكرية أمر طبيعي، لكن الفرق كبير بين النقد والتكفير. فمن حق أي باحث صادق أن يناقش تأويلات الأشاعرة أو مناهجهم الكلامية أو مواقفهم الفلسفية، لكن ليس من حقه أبدا أن يحتكر الإسلام لنفسه أو أن يخرج المخالف من دائرة أهل السنة والجماعة. فالإسلام أوسع من أن يُختزل في مدرسة اسلامية واحدة أو قراءة واحدة.
ولعل الحاجة الملحة اليوم ليست إلى صراعات كلامية جديدة بقدر ما هي حاجة إلى بناء ثقافة إسلامية راشدة تعيد الاعتبار لأدب الاختلاف، وتواجه تحديات العصر بروح علمية وحضارية. فالأمة التي تواجه أزمات التخلف والفقر والتفكك لا يمكن أن تنهض إذا بقيت غارقة في معارك التكفير والتبديع. إن المستقبل الإسلامي يحتاج إلى عقل منفتح يجمع بين الأصالة والتجديد، ويحترم التراث دون أن يقدسه، ويؤمن بأن الاختلاف سنة بشرية لا مبرر لتحويلها إلى حرب دينية داخلية.
ختاما، لقد نجحت العقيدة الأشعرية تاريخياً لأنها قدمت نموذجاً للاعتدال والتوازن، ولأنها استطاعت أن تستوعب العقل والنص معاً، وأن تحافظ على وحدة الأمة في وجه الانقسامات الحادة. وربما يكون تجديد هذا المنهج اليوم، بروح أكثر انفتاحاً وعمقاً، أحد المفاتيح الضرورية لإنقاذ الفكر الإسلامي من التطرف والانغلاق، وإعادة بناء ثقافة دينية تقوم على الرحمة والحكمة والوعي الحضاري، لا على الإقصاء والتكفير .
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية