عادت المخاوف الأمنية لتلقي بظلالها على محور التجارة البرية الرابط بين المغرب ودول غرب إفريقيا، عقب الهجوم المسلح العنيف الذي استهدف قافلة تجارية مغربية ببلدة "جمجومة" في العمق المالي بتاريخ 6 مايو 2026. هذا الحادث، الذي أسفر عن تفحم شاحنة محملة بالمواد الغذائية، يمثل حلقة جديدة من مسلسل استهداف الشريان الاقتصادي الذي يربط المملكة بعمقها الإفريقي. وتأتي هذه العملية في سياق ميداني شديد التعقيد، حيث تفرض جماعات مسلحة، وعلى رأسها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة إياد أغ غالي عنصر المخابرات الجزائرية في المنطقة، حصارا خانقا على العواصم الكبرى في منطقة الساحل، محولة شاحنات الإمداد المغربية إلى أهداف عسكرية مباشرة لكسر إرادة الدول المضيفة وتجويع حاضنتها الشعبية.
ولم تكن دماء السائقين المغاربة يوما بعيدة عن تحديات العبور في هذه المناطق، فالتاريخ القريب يسجل مأساة "ديديني" عام 2021 التي سقط فيها ضحايا من السائقين المهنيين، وصولا إلى عمليات الاختطاف الممنهجة التي طالت أربعة سائقين على الحدود بين بوركينا فاسو والنيجر عام 2025، قبل أن تتدخل الاستخبارات المغربية لتحريرهم. إن هذا الاستهداف الممنهج يعكس تحولا في عقيدة الجماعات الإرهابية، التي انتقلت من اسلوب قطاع الطرق بهدف السرقة، إلى ممارسة الإرهاب الاقتصادي الموجه ضد المصالح المغربية، سعيا منها لتقويض المبادرة الأطلسية الطموحة التي تسعى لربط دول الساحل الحبيسة بالمحيط، وهو ما يزعج أطرافا إقليمية ترى في هذا التقارب تهديدا لنفوذها التقليدي.
أمام هذا التدهور الأمني، لم تقف الرباط مكتوفة الأيدي، بل فعلت ترسانة من الإجراءات الدبلوماسية والقانونية والأمنية. فدبلوماسيا، تعمل السفارات المغربية في باماكو وواغادوغو كخلايا أزمة لتأمين ممرات آمنة للسائقين العالقين، في حين تضغط الهيئات المهنية للنقل الدولي لتعديل الاتفاقيات الثنائية بما يضمن فرض تأمين مخاطر الحرب وتحميل الدول المضيفة مسؤولية توفير الحماية العسكرية للقوافل. أما أمنيا، فقد أصبح التنسيق الاستخباراتي الاستباقي هو القاعدة، حيث يتم تزويد القوافل بمعلومات لحظية لتجنب الكمائن، مع توجه جدي نحو تعميم نظام المرافقة العسكرية المشتركة كشرط أساسي لمواصلة العبور في المناطق المصنفة كبؤر حمراء.
استشرافا للمستقبل، يبدو أن قواعد المعضلة الامنية في منطقة الساحل التي تحرك خيوطها الجزائر منذ عقود ، تتجه نحو تغيير جذري، يجعل استدامة التجارة المغربية في الساحل رهينة بمدى نجاح المقاربة الأمنية الجماعية بين دول المنطقة، وتحويل مسألة حماية السائقين من شأن مهني إلى قضية أمن قومي عابرة للحدود.
الدكتور محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية