يعكس التراكم المتسارع للمواقف الدولية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي لتسوية نزاع الصحراء المغربية (أكثر من 120 دولة) تحولا بنيويا في مقاربة هذا الملف على مستوى الخطاب الأممي والتوازنات الجيوسياسية، حيث أخذ ينتقل تدريجيا من منطقة الالتباس السياسي إلى أفق أكثر وضوحا تحكمه معايير الواقعية السياسية والنجاعة العملية.
هذا التحول يجد امتداده في مواقف دول وازنة داخل النظام الدولي، من بينها دولة التشيك التي لم تكتف بدعم مخطط الحكم الذاتي فقط، بل وطالبت على لسان وزير خارجيتها، بإدراج البوليساريو في خانة الإرهاب وهناك تحول آخر لدى كندا التي خرجت من «منطقة الالتباس المظلمة»، وأدرجت مبادرة الحكم الذاتي ضمن التصورات الواقعية القابلة للتطبيق، في انسجام مع روح القرار الأممي رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 31 أكتوبر 2025، وهو القرار الذي حظي بدعم واسع داخل المجلس، مما يعبر عن إرادة دولية متنامية لتجاوز حالة الجمود التي طبعت هذا النزاع لسنوات طويلة. إذ لم يكتف هذا القرار بتثبيت مرجعية الحل السياسي، بل منح زخما إضافيا لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر قدرة على استيعاب تعقيدات الملف ضمن رؤية توافقية يحكمها منطق «لا غالب، ولا مغلوب».
واللافت للانتباه أن القرار الأممي (2797)، حمل معه تحولا آخر لا يقل أهمية، ويتعلق الأمر بمراجعات لافتة في مواقف دول كانت تقليديا قريبة من الطرح المناهض للوحدة الترابية للمغرب. حيث برزت مواقف جديدة لكل من مالي وكينيا وغانا، إذ اتجهت هذه الدول نحو تبني خطاب أكثر براغماتية ينسجم مع منطق التنمية الإقليمية والاستقرار، ويمنح أولوية للحلول السياسية الواقعية القابلة للتنفيذ. ويعكس هذا التحول داخل الفضاء الإفريقي إعادة تموقع استراتيجية تستحضر رهانات الأمن والتنمية والتكامل الاقتصادي، ويعزز من مكانة المغرب كشريك إقليمي فاعل داخل القارة. كما يعكس، في العمق، التحول النوعي في الدبلوماسية المغربية التي أعادت صياغة أولوياتها الاستراتيجية عبر جعل قضية الصحراء محددا مركزيا في بناء الشراكات الدولية، ومنها الإفريقية، إذ أضحت العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف تتشكل انطلاقا من مدى وضوح المواقف تجاه الوحدة الترابية، مما أسهم في إعادة توزيع خرائط الاصطفاف، والدفع بعدد متزايد من الدول إلى مراجعة تمثلاتها السابقة، سواء عبر الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية على الصحراء أو من خلال سحب الاعتراف بما يسمى «الجمهورية الصحراوية» «أكثر من 40 دولة من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا».
ضمن هذا السياق الذي يعمل لصالح مقترح الحكم الذاتي المغربي، تكتسب الإحاطة الأخيرة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، دلالة خاصة، إذ تعكس لغة جديدة في توصيف مسار التسوية، قائمة على فكرة «التنازلات الضرورية» كمدخل لإعادة ترتيب مواقف الأطراف، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها ميزان التأثير داخل المنتظم الدولي. ولم يكتفِ المسؤول الأممي بتوصيف الوضع القائم أو إعادة إنتاج العبارات التقليدية المرتبطة بـ «استئناف العملية السياسية»، بل قدّم إشارات دالة على انتقال الوساطة الأممية إلى مرحلة أكثر كثافة، وذلك من خلال ثلاث خلاصات أساسية استقاها من جولاته ومشاوراته الأخيرة مع مختلف الأطراف. أولها الحديث عن «زخم حقيقي» يفتح إمكانًا فعليًا أمام تسوية سياسية. أما الخلاصة الثانية، فتتعلق بانتقال النقاش إلى مستوى أكثر تفصيلاً، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على عرض المواقف المبدئية، بل بدأ يلامس ملامح حل محتمل، بما يعنيه ذلك من دخول المفاوضات طورًا تقنيًا يقتضي بلورة صيغ قابلة للتداول. فيما تحيل الخلاصة الثالثة إلى الاقتراب من تصور أولي لهيكلة حكم ذاتي، يمكن أن يشكل أرضية توافقية للنقاش، وهو معطى بالغ الدلالة بالنظر إلى كونه ينقل فكرة الحكم الذاتي من مستوى المبادرة السياسية إلى أفق الهندسة المؤسساتية.
وفي هذا السياق، يكتسي الأفق الزمني الذي حدده دي ميستورا، والمتمثل في الدعوة إلى إعادة جمع الأطراف حول طاولة المفاوضات قبل موعد أكتوبر المقبل، دلالة خاصة، باعتباره يؤشر على وجود إرادة أممية لإدخال قدر من الإيقاع على المسار السياسي. ذلك أن التوصل إلى «اتفاق إطار» في هذه المرحلة يعني في العمق أن الأرضية مهيأة لتفاوض أكثر تفصيلا.
تتحرك قضية الصحراء، في انتظار الحسم الأممي، داخل مسار دولي تتزايد فيه كثافة التحولات، وتتسارع فيه إعادة تشكيل المواقف، على نحو يمنح المقترح المغربي للحكم الذاتي حضورا متناميا داخل دوائر القرار العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي كان لموقفها التاريخي الداعم لمغربية الصحراء أثره الكبير. فبعد مرحلة «الحياد الداعم للمسار الأممي»، ومرحلة «الحل السياسي الواقعي»، اختارت واشنطن الدخول إلى مرحلة «التحول الحاسم»، إذ شكّل عام 2020 انعطافة واضحة في الموقف الأمريكي الذي تتبنى تصورًا يعتبر «مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب أساسًا عمليًا وحيدًا لتسوية النزاع»، مما يعني أن هذا الموقف شكل انتقالًا تدريجيًا من منطق «إدارة النزاع» إلى منطق «توجيه الحل»، حيث أعلنت واشنطن ميلها الواضح إلى تحديد الإطار الأكثر قابلية للتطبيق.
ضمن المنظومة الأوروبية، يبدو التحول الإسباني أكثر كثافة وتأثيرا، نظرا للحمولة التاريخية والسياسية التي يحملها موقف إسبانيا (التي كانت تحتل الأقاليم المتنازع حولها)، مما أضفى على المقترح المغربي، الذي تؤيده مدريد، شرعية إضافية داخل الفضاء الأوروبي، كما فتح الباب أمام إعادة تموقع عدد من الدول التي كانت تفضل الحذر، ومنها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بل ساهم في اختراق الطوق الذي كانت تضعه بعض دول شمال أوروبا على "مغربية الصحراء، إذ أبدت فنلندا موقفاً متقدماً وإشادة واضحة بمقترح الحكم الذاتي، بينما أكدت السويد عن دعمها للمبادرة في أعقاب اتصال هاتفي بين وزيرة خارجيتها ونظيرها المغربي، انسجاماً مع قرارات مجلس الأمن. نفس الشيء أعلنته النمسا وسلوفينا وبلجيكا. أما الدنمارك والنرويج، فما زالتا تؤكدان على ضرورة إيجاد حل سياسي عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف، مع ميل دانماركي واضح إلى مقترح الحكم الذاتي، خاصة أن الدانمارك كانت من بين الأعضاء الأحد عشر الذين صوتوا في نونبر 2025 لصالح دعم خطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء المغربية «الولايات المتحدة- المملكة المتحدة- فرنسا- الدنمارك- اليونان- بنما- الصومال- سلوفينيا- سيراليون- كوريا الجنوبية- غيانا». هذا دون أن ننسى الموقف الرسمي للهند وراس القاضي بسحب اعترافهما بالبوليساريو.
مقابل هذا الزخم السياسي والديبلوماسي الهائل الذي يؤطر المقترح المغربي، يتراجع تأثير الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو، نتيجة تحولات متعددة الأبعاد. ذلك أن الجزائر، التي ظلت لعقود الفاعل الرئيسي في هذا الملف، تواجه تحديات داخلية وخارجية حدّت من قدرتها على الحفاظ على شبكة دعم واسعة. كما أن التحولات داخل إفريقيا، والتغيرات في أولويات السياسة الدولية، دفعت العديد من الدول إلى مراجعة مواقفها التقليدية، في اتجاه البحث عن حلول أكثر واقعية. غير ان هذا التراجع لا يعني اختفاء الدعم بشكل كامل، خاصة أن عسكر قصر المرادية يضع «قضية الصحراء» في أعلى هرم سياسته الخارجية، مما يعني أنه يرمي بكل أسلحته السياسية والديبلوماسية للضغط نحو عرقلة أي تسوية ممكنة خارج «الانفصال» أو «التقسيم»، رغم أن المسار الأممي يدفع بكل ثقله نحو تثبيت المبادرة المغربية كأرضية للحل.
ومن هنا يمكن تلخيص النجاح الدبلوماسي المغربي في قضية الصحراء في خمس نقط رئيسية مترابطة، تظهر كيف انتقل الملف من وضع الدفاع و«ردود الفعل» أمام الأطماع الجزائرية إلى دينامية دولية واضحة:
أولا: توسيع قاعدة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي، إذ نجح المغرب في تحويل مبادرته إلى مرجعية أساسية داخل النقاش الدولي، إلى درجة أن غالبية الدول العظمى تتبناها اليوم بوصفها حلا جديا وواقعيا، ويشمل ذلك قوى مؤثرة في أوروبا وأمريكا، مما منح المقترح وزنا سياسيا متزايدا.
ثانيا: اختراق العمق الإفريقي وإعادة تشكيل الاصطفافات؛ ذلك أن هذا الاختراق يعتبر من أبرز النجاحات، حيث انتقلت عدة دول من الدعم الصريح للبوليساريو إلى تأييد المقترح المغربي، أو تبنّي مواقف أكثر توازنا، بالاستناد إلى دعم الحل السياسي والمسار الأممي.
ثالثا: ترسيخ الحضور الميداني عبر القنصليات في الأقاليم الجنوبية، وذلك من خلال إقدام دول على فتح العديد من القنصليات في مدينتي العيون والداخلة، مما شكّل انتقالا من الدعم النظري إلى الاعتراف العملي، الأمر الذي أعطى للمغرب تفوقا رمزيا وسياسيا، وكرّس واقعا جديدا في التعامل الدولي مع الإقليم.
رابعا: تحييد وتراجع الدعم الدولي للبوليساريو، إذ بادر عدد لا يستهان به من الدول إلى سحب أو تجميد اعترافه بالكيان الانفصالي الذي تدعمه الجزائر، مما أدى إلى تقلص دائرة التأييد بشكل واضح.
خامسا: كسب الزخم داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، إذ أصبحت اللغة المعتمدة داخل مجلس الأمن تميل بوضوح إلى توصيف مبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وذي مصداقية، مما يعكس نجاحا دبلوماسيا مهما، حيث انتقل النقاش من تعدد الخيارات إلى التركيز على صيغة تحظى بدعم واسع.
لقد نجح المسار الدبلوماسي الذي رسمه المغرب في إحداث شقوق جوهرية في الجدار الجزائري، بل نجح في إعادة ترتيب مقاربات النزاع داخل الأطر الدولية، حيث تعززت مكانة مقترح الحكم الذاتي باعتباره مدخلًا مركزيًا في النقاش السياسي الجاري داخل الأمم المتحدة، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها خطاب مجلس الأمن حول طبيعة الحلول الممكنة. وهو ما تعكسه خريطة المواقف داخل القارة الأوروبية والإفريقية والأمريكية، حيث تزايد عدد الدول التي تعبر عن دعم صريح أو متقدم للمبادرة المغربية باعتبارها إطارًا ذا جدية ومصداقية في مقاربة التسوية.
مقابل هذا التوسع في دائرة الدعم للحكم الذاتي، اتخذت دينامية الاعتراف بـ «البوليساريو» مسارًا متراجعًا على مستوى العلاقات الثنائية والدبلوماسية، حيث شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من المراجعات لمواقف عدد من الدول التي أعادت النظر في طبيعة علاقاتها مع هذا الكيان، بما أدى إلى تقلص حضوره في المشهد الدولي، وتراجع قدرته على استقطاب الاعترافات الجديدة أو الحفاظ على بعضها. وقد تزامن هذا التحول مع إعادة تموضع عدد من الدول داخل المنظومة الإفريقية والدولية، في سياق تزايد الميل نحو دعم الحلول التوافقية، مما يعني أن المغرب نجح في قراءة المشهد الدبلوماسي الجديد، بما يمنح المقترح المغربي حضورًا متناميًا في النقاش الدولي، في مقابل انحسار تدريجي في دائرة الاعتراف بالمشروع الانفصالي الذي تموله الجزائر بكل سخاء الحاقدين.