vendredi 1 mai 2026
سياسة

فؤاد عبد العالي: برلمان العائلات ينسف منطق الإرادة الشعبية والتمثيلية الديمقراطية ويعيد إنتاج النفوذ

فؤاد عبد العالي: برلمان العائلات ينسف منطق الإرادة الشعبية والتمثيلية الديمقراطية ويعيد إنتاج النفوذ فؤاد عبد العالي وخلفه واجهة البرمان المغربي

إن‭ ‬توصيف‭ ‬برلمان‭ ‬العائلات‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الاستعارة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مدخل‭ ‬أساس‭ ‬لفهم‭ ‬وتحليل‭ ‬بنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬مركبة،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬التمثيلية‭ ‬السياسية‭ ‬مع‭ ‬عنصر‭ ‬القرابة‭ ‬داخل‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭. ‬فالمؤسسة‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬ممثلة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬ومجلس‭ ‬المستشارين،‭ ‬تُقدَّم‭ ‬دستوريا‭ ‬بوصفها‭ ‬فضاء‭ ‬يجسد‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬لا‭ ‬يشتغل‭ ‬فقط‭ ‬بمنطق‭ ‬التمثيلة‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بمنطق‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬النفوذ‭ ‬داخل‭ ‬عائلات‭ ‬تمتلك‭ ‬امتدادا‭ ‬تاريخيا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الانتخابي،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الانتماء‭ ‬لعائلة‭ ‬بعينها‭ ‬المحدد‭ ‬الرئيسي‭ ‬وغير‭ ‬المعلن‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان‭.‬
 

يجد‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬أساسه‭ ‬النظري‭ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬"بيير‭ ‬بورديو"‭ ‬للحقل‭ ‬السياسي،‭ ‬حيث‭ ‬يعتبره‭ ‬مجالا‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭ ‬تتوزع‭ ‬داخله‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬في‭ ‬السياق‭ ‬المغربي،‭ ‬يبرز‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الرمزي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالاسم‭ ‬العائلي‭ ‬كعنصر‭ ‬أساس‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الشرعية‭ ‬السياسية،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬وسيط‭ ‬لإنتاج‭ ‬الثقة‭ ‬وضمان‭ ‬الاستمرارية‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬الانتخابات‭ ‬فقط‭ ‬كآلية‭ ‬لاختيار‭ ‬النخب،‭ ‬بل‭ ‬كآلية‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬ضمن‭ ‬بنية‭ ‬تسمح‭ ‬بتوريث‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬للنفوذ‭ ‬السياسي،‭ ‬حيث‭ ‬يتقدم‭ ‬الإسم‭ ‬العائلي‭ ‬أحيانا‭ ‬على‭ ‬البرامج‭ ‬الانتخابية‭ ‬والكفاءات‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬فرص‭ ‬النجاح‭ ‬الانتخابي‭. ‬
 

كما‭ ‬يتيح‭ ‬تصور‭ ‬"ماكس‭ ‬فيبر"‭ ‬حول‭ ‬السلطة‭ ‬الباتريمونيالية‭ ‬(patrimonial authority) فهما‭ ‬أعمق‭ ‬لهذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حداثي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬تقليدي‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭. ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الشرعية‭ ‬القانونية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أنماطا‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭ ‬التقليدية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬القرابة‭ ‬والولاء‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬دينامية‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي‭. ‬هذا‭ ‬التعايش‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬توازنا‭ ‬بين‭ ‬نموذجين،‭ ‬بل‭ ‬يعري‭ ‬بنية‭ ‬هجينة‭ ‬تعمل‭ ‬وفقها‭ ‬المؤسسات‭ ‬جزئيا‭ ‬بمنطق‭ ‬العلاقات‭ ‬الشخصية،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬الضوابط‭ ‬القانونية‭ ‬بالروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مسارات‭ ‬التسلق‭ ‬السياسي‭.‬
 

وتتجلى‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬بشكل‭ ‬أوضح‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية،‭ ‬التي‭ ‬عوض‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬فضاء‭ ‬لإنتاج‭ ‬النخب‭ ‬وتجديدها،‭ ‬فإنها‭ ‬تعاني‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الداخلية‭. ‬فمسارات‭ ‬الترشح‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬دائما‭ ‬لمعايير‭ ‬التنافس‭ ‬الشفاف،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تتحدد‭ ‬بموازين‭ ‬قوة‭ ‬داخلية‭ ‬وبشبكات‭ ‬ولاء،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬للعائلات‭ ‬السياسية‭ ‬بالاستمرار‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحزبية‭ ‬نفسها‭. ‬والنتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬هي‭ ‬صد‭ ‬كل‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬الفاعلين‭ ‬الجدد،‭ ‬خاصة‭ ‬الشباب،‭ ‬ويتقلص‭ ‬أفق‭ ‬التداول‭ ‬السياسي،‭ ‬بحيث‭ ‬تتحول‭ ‬السياسة‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬مفتوح‭ ‬للترقي‭ ‬الإجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬يعيد‭ ‬توزيع‭ ‬نفس‭ ‬المواقع‭ ‬بين‭ ‬دوائر‭ ‬مغلقة‭ ‬ومحدودة‭.‬
 

لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بكونها‭ ‬خاصية‭ ‬مغربية‭ ‬صرفه،‭ ‬لكنها‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬المغربي‭ ‬طابعا‭ ‬أكثر‭ ‬كثافة‭ ‬بسبب‭ ‬تداخل‭ ‬عوامل‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬عدم‭ ‬استقلالية‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي،‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية،‭ ‬واستمرار‭ ‬ثقافة‭ ‬انتخابية‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬للإسم‭ ‬العائلي‭ ‬والرمزية‭ ‬المحلية‭ ‬وزنا‭ ‬كبيرا‭. ‬
 

لهذه‭ ‬الأسباب،‭ ‬يصبح‭ ‬العزوف‭ ‬السياسي‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬للشعور‭ ‬بعدم‭ ‬تكافؤ‭ ‬قواعد‭ ‬التنافس،‭ ‬وأن‭ ‬فرص‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬القرار‭ ‬محدودة‭ ‬ومحددة‭ ‬سلفا،‭ ‬مما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬ويعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬علاقة‭ ‬مشروطة‭ ‬بالانتماء‭ ‬العائلي،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العلاقة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬الحر‭ ‬والتنافس‭ ‬المفتوح‭.‬

فؤاد عبد العالي، باحث سوسيولوجي