mercredi 6 mai 2026
كتاب الرأي

غزلان ازندور: من "هل أنتِ متزوجة؟" إلى "هل أنتِ مثلية؟".. محاكمة المرأة غير المتزوجة

غزلان ازندور: من "هل أنتِ متزوجة؟" إلى "هل أنتِ مثلية؟".. محاكمة المرأة غير المتزوجة

حين يسأل شخص: هل أنتِ متزوجة؟ ثم لا يأتي جواب، فيتحول السؤال إلى: هل أنتِ مثلية؟ فنحن لا نكون أمام فضول عابر، بل أمام بنية اجتماعية كاملة تشتغل في الخلفية. فالسؤال الأول لا يبحث دائما عن معلومة بسيطة، بل يحاول وضع المرأة داخل خانة مفهومة اجتماعيا: متزوجة، مرتبطة، تابعة لمسار مألوف، أو على الأقل قابلة للقراءة من خلال علاقتها برجل.

وحين لا تجيب المرأة، يصبح صمتها نفسه موضوعا للتأويل. لا يقرأ الصمت كحق في الخصوصية، بل كفراغ يجب ملؤه بالشك. ومن هنا يظهر السؤال الثاني: هل أنتِ مثلية؟ وكأن عدم الزواج، أو عدم التفاعل مع سؤال الزواج، لا يمكن أن يكون اختيارا شخصيا أو موقفا من حدود الخصوصية، بل يجب أن يكون علامة على “شيء ما” يحتاج إلى كشف أو تصنيف.

الأمر أعمق من الزواج والمثلية معا. ففي كثير من التصورات الاجتماعية، تفترض المرأة “الطبيعية” باعتبارها امرأة مهيأة للعلاقة مع الرجال، مهتمة بالزواج، قابلة للتفاعل مع الأسئلة المرتبطة بالارتباط، ومستعدة لأن تجعل هذا الجانب حاضرا في تعريفها لنفسها. فإذا لم تبد اهتماما، أو رفضت الإجابة، أو لم تجعل علاقتها بالرجال موضوعا عاما، تصبح موضع ريبة.

هنا لا يكون سؤال “هل أنت مثلية؟” سؤالا بريئا، بل سؤالا استنكاريا. كأنه يقول ضمنيا: إذا لم يكن الزواج من رجل أفقك المعلن، فأين نضعك؟ وإذا لم تكوني مهتمة بما نتوقعه منك كامرأة، فهل يعني ذلك أنك خارج معيار “الطبيعي”؟ بهذا المعنى، تستعمل المثلية أحيانا لا كهوية إنسانية تحترم، بل كخانة اتهامية لمعاقبة المرأة على عدم مطابقتها للصورة المنتظرة منها.

لكن هناك بعدا آخر لا يقل خطورة: المرأة غير المتزوجة لا تعامل فقط كأن بها نقصا أو مشكلة، بل أحيانا كأنها متاحة ومباحة. كأن غياب الزواج يعني غياب الحدود. وكأن المرأة التي لا توجد داخل مؤسسة زواج تصبح أقل حماية رمزيا، وأكثر عرضة للتدخل في حياتها، أو التلميح إليها، أو اختبار حدودها، أو افتراض أن للآخرين حقا في الاقتراب منها أو مساءلتها.

وهذا يكشف تناقضا قاسيا: المجتمع نفسه الذي يراقب المرأة غير المتزوجة ويحاسبها لأنها لم تدخل مؤسسة الزواج، قد يتعامل معها في الوقت ذاته كأنها خارج الحماية التي يمنحها الزواج اجتماعيا. فهي من جهة “ناقصة” لأنها غير متزوجة، ومن جهة أخرى “متاحة” لأن لا رجل يُعرفها أو يحرس صورتها داخل المخيال الاجتماعي. وفي الحالتين، لا تعامل كذات مستقلة، بل كموضوع قابل للحكم أو التملك أو التأويل.

لذلك، فالمشكلة ليست فقط في أن يسأل الإنسان عن زواجه، بل في الخلفية التي تجعل هذا السؤال مدخلا لمحاكمة كاملة. لماذا لا تكونين متزوجة؟ هل فيك مشكلة؟ هل ترفضين الرجال؟ هل أنتِ مثلية؟ هل أنت متاحة؟ لماذا لا تشرحين؟ لماذا لا تبررين؟ لماذا لا تطمئنين المجتمع بأنك داخل القالب المقبول؟

كل هذه الأسئلة تكشف أن المرأة غير المتزوجة توضع في موقع دفاع دائم. عليها أن تشرح غياب الزواج، وأن تثبت أن عدم زواجها لا يعني خللا، وأن صمتها ليس اعترافا، وأن خصوصيتها ليست دعوة للتدخل، وأن استقلالها لا يعني أنها متاحة، وأن عدم اهتمامها بسؤال ما لا يجعلها خارجة عن “الطبيعي”.

إن خطورة هذا المنطق أنه يجعل كرامة المرأة مشروطة بوضعها العائلي. فالمرأة المتزوجة تقرأ من خلال علاقتها بزوج، والمرأة غير المتزوجة تقرأ من خلال غياب هذا الزوج. وفي الحالتين، لا ترى المرأة كما هي: ذاتا حرة، عاقلة، كاملة، لها حدودها، وحقها في الصمت، وحقها في ألا تجعل حياتها الخاصة موضوعا للتفتيش.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل هي متزوجة؟ ولا: هل هي مثلية؟ بل: لماذا يحتاج البعض إلى تصنيف المرأة كي يحترمها؟ لماذا يصبح عدم الزواج مشكلة يجب تفسيرها؟ لماذا يفترض أن المرأة التي لا تعلن ارتباطها برجل تصبح أقل اكتمالا أو أكثر قابلية للتدخل في حياتها؟ ولماذا تتحول الخصوصية إلى تهمة، والصمت إلى شبهة، والاستقلال إلى استفزاز؟

الدفاع عن الخصوصية هنا ليس هروبا من الجواب، بل رفض لمنطق المحاكمة. فليس من حق أحد أن يحول حياة امرأة إلى ملف مفتوح: زواجها، جسدها، رغباتها، هويتها، حدودها، اختياراتها، أو صمتها. والمرأة غير المتزوجة ليست ناقصة، وليست متاحة، وليست مدينة للمجتمع بتقرير يشرح لماذا اختارت أو لم تختر، ولماذا أجابت أو لم تجب.

الكرامة تبدأ حين نعترف بأن للناس مناطق لا تخصنا. والحرية لا تعني فقط أن يعيش الإنسان كما يريد، بل أن لا يجبر على تبرير حياته أمام فضول الآخرين. أما الاحترام الحقيقي، فهو أن نقبل أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون مفهوما بالكامل، ولا مصنفا بدقة، ولا مطابقا للمعيار، كي يحترم.

غزلان ازندور، باحثة وفاعلة جمعوية