شهد الفضاء العمومي المغربي في الآونة الأخيرة تداولا متزايدا لمصطلح “الهرگاوي”، خاصة بعد النقاش الذي أثاره حسن الفد في أحد عروضه المسرحية وفي معرض الكتاب، وبغض النظر عن الزاوية التي ناقش منها هذا الفنان موضوعه، وهل هو أهل لذلك أم لا، فبرأيي كيفما كان الوضع فهو نقاش يمكن اعتباره صحيا من زاوية سوسيولوجية، لأنه لا يقف عند حدود السجال اللغوي أو التهكم اليومي، بل يلامس إشكالا أعمق يتعلق بأنماط السلوك داخل المجتمع المغربي وتحولاته. غير أن هذا التداول يطرح في الآن ذاته سؤالا مركزيا: هل نحن أمام توصيف لسلوك اجتماعي معيّن، أم أمام آلية من آليات الوصم التي ينتجها المجتمع لتصنيف أفراده؟
من الناحية اللغوية، يمكن ردّ لفظة “هرگاوي” إلى الأصل العربي “الهرج”، الذي يدل على الفوضى والاختلاط وغياب النظام. وقد خضعت الكلمة في الدارجة المغربية لتحول صوتي مألوف يتمثل في تحويل الجيم إلى “گ”، فصارت “هرگ”، قبل أن تُضاف إليها اللاحقة “الألف والواو والياء ” للدلالة على النسبة، كما في العديد من الألفاظ الدارجة. وبذلك، فإن “الهرگاوي” يحيل في أصله إلى الشخص المنسوب إلى “الهرج”، أي إلى الفوضى، وهو توصيف يحمل في طياته حكما قيميا يتفادى الوقوع فيه كل سوسيولوجي قبل أن يكون مجرد تعريف لغوي.
غير أن المقاربة السوسيولوجية تدعونا إلى تجاوز هذا البعد التوصيفي المباشر، والانتقال إلى تحليل الشروط التي تنتج مثل هذه السلوكات. فالمسألة لا تتعلق بطبيعة فردية ثابتة، بقدر ما ترتبط بسياق اجتماعي أوسع. في هذا الإطار، يمكن استحضار ما ذهب إليه ابن خلدون حين تحدث عن “الغوغاء”، باعتبارهم فئة تتسم بعدم الانضباط وسرعة الانقياد للفوضى، غير أنه لم ينظر إليهم كمعطى طبيعي، بل كنتاج لاختلالات في العمران البشري. وهو ما يفتح الباب أمام قراءة تعتبر ما يسمى اليوم “هرگاويا” امتدادا لأنماط اجتماعية أفرزتها شروط تاريخية واجتماعية محددة.
وفي نفس الاتجاه، يتيح مفهوم “الأنومي” عند إميل دوركايم فهم هذه الظاهرة باعتبارها تعبيرا عن حالة تفكك في المعايير الاجتماعية، حيث تضعف القواعد التي تضبط سلوك الأفراد داخل المجتمع، فيصبح المجال العمومي فضاء مفتوحا لسلوكات غير منضبطة. من هذا المنظور، لا يكون “الهرگاوي” شخصا منحرفا بطبعه، بل فردا يتحرك داخل سياق اجتماعي فقد جزءا من قدرته على التأطير والضبط.
كما يمكن تعميق التحليل بالرجوع إلى أعمال بيير بورديو، الذي يربط السلوكات اليومية بما يسميه “الهابيتوس”، أي تلك البنيات الذهنية المكتسبة عبر التنشئة الاجتماعية. فالسلوكات التي توصف بكونها “غير متمدنة” لا تنفصل عن شروط إنتاجها، بل تعكس في كثير من الأحيان تفاوتات في الرأسمال الثقافي والاجتماعي. وعليه، فإن إطلاق صفة “هرگاوي” قد يخفي في عمقه حكما على فئات اجتماعية معينة أكثر مما يصف سلوكا معزولا.
ويزداد الأمر وضوحا إذا استحضرنا مفهوم “الوصم” عند إرفينغ غوفمان، حيث تتحول بعض التسميات المتداولة إلى علامات اجتماعية تلصق بالأفراد، فتحدد موقعهم داخل البنية الاجتماعية وتؤثر في نظرة الآخرين إليهم. في هذه الحالة، لا يعود “الهرگاوي” مجرد توصيف لسلوك عابر، بل يصبح هوية مفروضة قد تساهم في تكريس الإقصاء وإعادة إنتاجه.
أما في السياق المغربي، فقد ارتبط استعمال هذا المصطلح في بداياته بمدينة الدار البيضاء، حيث كان يُستعمل للتمييز بين “البيضاوي الأصلي” والوافد، اعتمادا على مؤشرات مثل اللباس أو اللهجة أو أسلوب العيش. غير أن هذا الاستعمال سرعان ما تطور ليتجاوز البعد المجالي، ويصبح وصفا عاما يُطلق على كل من لا يحترم قواعد العيش المشترك، سواء من خلال رفع الصوت في الفضاء العام، أو تخريب الممتلكات، أو استعمال لغة نابية…وهكذا انتقل المفهوم من كونه أداة للتمييز المجالي إلى توصيف سلوكي ذي حمولة قيمية قوية.
غير أن اختزال الظاهرة في سلوك الأفراد وحدهم يغفل أبعادا بنيوية أساسية، إذ لا يمكن فصل هذه السلوكات عن السياقات التي تنتجها، وفي مقدمتها السياسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية. فضعف التنشئة المدنية، واتساع الفوارق الاجتماعية، وغياب العدالة المجالية، كلها عوامل تساهم في إنتاج أنماط من السلوك لا تنسجم مع متطلبات العيش المشترك داخل الفضاء العام. من هذا المنظور، يصبح “الهرگاوي” ليس فقط فاعلا اجتماعيا، بل أيضا نتاجا لمسار طويل من الاختيارات والسياسات.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن النقاش حول “الهرگاوي” يعكس توترا قائما داخل المجتمع المغربي بين الرغبة في ترسيخ النظام واحترام الفضاء العام، وبين واقع اجتماعي يتسم بعدم التكافؤ واختلال شروط التنشئة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تصنيف الأفراد أو إطلاق الأحكام عليهم، بل في فهم الشروط التي تنتج هذه السلوكات والعمل على معالجتها. فالسؤال الذي يفرض نفسه في النهاية ليس من هو “الهرگاوي”، بل كيف يمكن بناء مجتمع يضمن شروط الاندماج ويحُدّ من إنتاج الفوضى كخيار سلوكي.