dimanche 3 mai 2026
كتاب الرأي

بنرهو مصطفى: مؤسسات الشباب بين ضجيج الاستراتيجيات واكراهات الواقع

بنرهو مصطفى: مؤسسات الشباب بين ضجيج الاستراتيجيات واكراهات الواقع بنرهو مصطفى

يشكّل النقاش حول بناء رؤية جديدة لتطور مؤسسات الشباب فرصة استراتيجية لإعادة الاعتبار لتأهيلها وظيفيًا ومؤسساتيًا، وتطوير خدماتها بما يستجيب للتحولات المجتمعية والتكنولوجية المتسارعة. وتبرز أهمية الموضوع باعتبار ان المفترض فيها أنها:

فضاءًات تربوية تحتضن برامج وأنشطة تعكس السياسات العمومية في مجال استثمار الزمن الحر، وتسهم في تنمية مهارات الشباب والأطفال وبناء شخصياتهم.  كما انها تعتبر منصةً مركزية لعمل الجمعيات، وفضاءً لتلاقي الطاقات الشابة وتبادل الخبرات والتجارب.

وانطلاقًا من هذا الدور، فإن جعل مؤسسات الشباب رافعة للتنمية المحلية، يقتضي وضعها في صلب السياسات العمومية، من خلال إعادة تنظيمها، وتوضيح أدوار المتدخلين، وتأطيرها قانونيا، مع اعتماد حكامة تربوية تستجيب لانتظارات الشباب المغربي.

فلا يكفي نظريا أن تُبنى استراتيجية النهوض بمؤسسات الشباب السوسيو ثقافية على ضجة إعلامية وخطاب يهيمن فيه الادعاء، لأنها عمليًا تظل استراتيجية شكلية وهشة، تفتقد إلى مقومات الاستدامة والنجاح. فالاستراتيجية الحقيقية لا تُقاس بحجم الحضور الإعلامي أو كثافة الخطاب السياسي الموسمي، بل بمدى قدرتها على الاستجابة للواقع الموضوعي للشباب وتوفير الشروط المادية والمؤسساتية اللازمة للتنزيل. فعلى امتداد العقود الأخيرة، شهد قطاع الشباب سلسلة متواصلة من المناظرات والمنتديات واللقاءات الدراسية حول المخيمات ودور الشباب بمقاربة تشاركية موسعة راكمت كمًّا هائلًا من التوصيات والتقارير ومخرجات التفعيل. غير أن العودة إلى ذاكرة هذا المسار تكشف مفارقة لافتة؛ إذ إن كثافة هذه التراكمات لم تُترجم إلى نتائج ملموسة بقدر ما عكست حجمًا كبيرًا من الهدر السياسي واستنزافا للجهد الفكري والموارد المالية وتبذيرا للزمن العمومي. فقد ظلت العديد من المبادرات حبيسة النقاش النظري، دون أن تجد طريقها إلى التنزيل الفعلي أو تُحدث الأثر المنتظر، مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذه اللقاءات، في غياب آليات تفعيل مخرجاتها، ومدى ارتباطها بحاجات الواقع وتحدياته.

ويبرز هنا إشكال جوهري يتمثل في ضعف آليات تتبع وتفعيل التوصيات، حيث تغيب في الغالب خطط واضحة للتفعيل، مقرونة بمؤشرات قياس الأداء والجدولة الزمنية للانجاز. كما أن تعدد الفاعلين وتداخل الاختصاصات يسهم أحيانًا في تمييع المسؤوليات، مما يؤدي إلى ضياع الجهود وتكرار نفس الإشكالات دون تقدم يذكر.

فحين يكون الواقع مستعصيًا على التطور بسبب غياب البنيات التحتية الملائمة لتطلعات الشباب، وضعف العدالة المجالية، وندرة الأطر المؤهلة، وغياب البرامج المندمجة، وضعف الاعتمادات المالية، وانعدام الرؤية القطاعية الواضحة، فإن الحديث عن استراتيجية متكاملة يصبح أقرب إلى إنتاج خطاب استهلاكي أكثر منه إلى بناء سياسة عمومية فعالة.

لقد اعتدنا وواقع القطاع يشهد على ذلك، ان كل الضجات الإعلامية تمنح انطباعًا مؤقتا بالحركية والإنجاز، ما دام الامر لا يقوم على التخطيط الاستراتيجي القائم على التشخيص الدقيق للحاجيات، ولا يمكنها أن تحل محل الاستثمار الحقيقي في الإنسان والمجال والمؤسسات. فالشباب لا يحتاجون فقط إلى خطاب يعدهم بالمستقبل، ويضخم انتظاراتهم المثقلة بالوعود، بل إلى فضاءات فعلية للتكوين، والتأطير، والمشاركة، والاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

ولهذا، فإن أي استراتيجية منظورة لمؤسسات الشباب، لا تنطلق من قراءة واقعية للاختلالات البنيوية، ولا تُبنى على مقاربة تشاركية مع الفاعلين المدنيين والمؤسساتيين، ولا تُرفق بموارد مالية وبشرية كافية، ستظل مجرد إعلان سياسي أو حملة تواصلية قصيرة الأمد، سرعان ما تصطدم بحدود الواقع.

فالرهان الحقيقي ليس في صناعة “الحدث الإعلامي”، بل في بناء الثقة عبر سياسات عمومية منصفة وعادلة، تضمن للشباب الحق في الفرص، وفي الانتماء، وفي الإحساس بأنهم جزء من مشروع مجتمعي واضح المعالم، خصوصا ان الاشكال يزداد تعقيدًا حين يتعلق الأمر بجيل ولد ونشأ في قلب الثورة الرقمية، جيل تختلف انتظاراته وتطلعاته وأنماط تفاعله جذريا عن الأجيال السابقة، ولا يمكن مقاربته بالأدوات التقليدية نفسها أو بمنطق السياسات العمومية الكلاسيكية. فهذا الجيل لا يبحث فقط عن فضاءات مادية للاندماج، بل عن فرص حقيقية للابتكار، والتعبير، والمشاركة السريعة، والوصول إلى المعلومة، والاعتراف بكفاءاته خارج القوالب التقليدية. ان الامر يزداد تعقيدا حين ننتزع من الشباب القدرة على الفهم والنقد والمشاركة، ونفرغ الحياة الثقافية والفكرية من المعنى، لنجعل منها مادة للاستهلاك والاستكانة للقدرية والإحباط.

إن اجترار أنماط التفكير التقليدي في تدبير قضايا الشباب بشكل عام، غالبا ما تنظر اليه باعتبارهم فئة تحتاج إلى التأطير فقط، بينما يفرض الواقع الجديد التعامل معهم كفاعلين وشركاء في صناعة القرار، يمتلكون أدوات رقمية ومعرفية تجعلهم أكثر وعيًا بحقوقهم، وأكثر حساسية تجاه الخطاب غير المقنع أو الوعود غير القابلة للتحقق. لذلك، فإن الاستمرار في بناء استراتيجيات شبابية بعقلية إدارية قديمة، ومن خلال مؤسسات لا تواكب التحولات الرقمية والثقافية، يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين الشباب والمؤسسات. فجيل الثورة الرقمية لا يقيس جدية السياسات بعدد الندوات أو البلاغات الرسمية، بل بمدى حضور الدولة في حياته اليومية عبر خدمات ذكية، وفرص عادلة، ومنصات حقيقية للمشاركة، وبرامج تستجيب لسرعة التحول الذي يعيشه. كما أن هذا الجيل لا يقبل بسهولة منطق الانتظار الطويل أو البيروقراطية الثقيلة، لأنه يعيش في زمن السرعة والتفاعل الفوري. ومن هنا، فإن أي استراتيجية إصلاحية لمؤسسات الشباب، لا بد أن تعيد النظر في فلسفتها نفسها، لا فقط في أدواتها، وأن تنتقل من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة، ومن تدبير الشباب إلى الاستثمار في قدراتهم، ومن الخطاب المناسباتي إلى سياسات عمومية رقمية، مندمجة، وعادلة مجاليًا واجتماعيًا. لأن بناء المستقبل لا يمكن أن يتم بعقل الأمس، ولا يمكن لجيل المستقبل أن يقتنع بحلول صيغت خارج زمنه.

إن تجاوز هذا الوضع لا يقتضي التقليل من أهمية الحوار والتشاور، بل يستدعي إعادة النظر في منهجية الاشتغال برمتها مدعومة بإرادة سياسية حقيقية. فالمطلوب اليوم هو الانتقال من منطق إنتاج التوصيات إلى منطق تفعيلها، عبر إرساء آليات ملزمة للتتبع والتقييم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان استمرارية الإصلاح بعيدًا عن منطق الظرفية، وحده هذا التحول كفيل بنقل تلك التراكمات من عبء على الذاكرة إلى رصيد فعلي يخدم تأهيل مؤسسات الشباب ويستجيب لتحديات الواقع.